تطرح المزايدات السياسية في العراق، مشاريع من غير الممكن تحققها، ويعرف المزايدون ذلك، ولكنها تستخدم في الغالب للدعاية السياسية، أو للتهديد، أو محاولة لاختلاق أزمة جديدة، فيما لم يضع الدستور الناقص المخارج الصحيحة لكثير من النزاعات السياسية، بل والقانونية، حيث إن مسألة إقالة الحكومة أو حل البرلمان، لا تعدو كونها فقاعات إعلامية، لإشغال الناس عن الواقع المرير، وافتعال أزمة من نسج الخيال فقط، للتغطية على أزمات تتوالد وتتفاقم يوماً بعد آخر.
والأزمة بين الحكومة ومجلس النواب ليست جديدة، وكانت موجودة قبل تشكيل الحكومة، التي لا تمتلك الأغلبية، ولكنها تمتلك «المحكمة الاتحادية»، إضافة إلى التقسيم الطائفي والعرقي، الذي أعطى الأغلبية «بقرار من المحكمة الاتحادية» للمكونات الشيعية، وليس للقائمة الفائزة بأعلى الأصوات، وهي«العراقية».
ولم يأت قرار المحكمة الاتحادية، التي أنشأها الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، من فراغ، وإنما جاء تجسيداً للتقسيم الطائفي والعرقي، غير المعلن، وأصبح بالتالي هو العرف الذي بنيت على أساسه «العملية السياسية»، واستمرت لحد الآن، ويقضي بأن تكون رئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة الحكومة للعرب الشيعة، ورئاسة البرلمان للعرب السنة.
دعوات سحب الثقة
ومن هذا المنطلق، جاءت الدعوة لسحب الثقة من رئيس الوزراء نوري المالكي، في العام الماضي، مقترنة بالطلب من التحالف الوطني اختيار بديل له. ولما كان ائتلاف دولة القانون، الذي يترأسه المالكي، يشكل الأغلبية في التحالف الوطني، فإن اختيار البديل سيكون عسيراً في هذه الحالة.
وربما يكون المالكي أعطي «الكارت الأخضر»، عندما صرح بأن موضوع سحب الثقة انتهى، مع علمه بوجود النصاب القانوني لإقالته من قبل البرلمان، إلا أن الغريب في الموضوع هو أن القائمة العراقية، التي جمعت التواقيع المطلوبة لحجب الثقة، لم تقدم طلباً حتى للاستجواب، واكتفت بالتصريحات فقط، في وقت طالب المالكي بحل البرلمان، إعلامياً، ولم يتقدم خطوة واحدة في هذا الاتجاه، ما يوحي بوجود «كابح»، لمثل هذه الإجراءات. وتتكرر نفس المطالبات هذه الأيام، مع الأزمة الموجودة في الشارع.
سفر طالباني
ويرى المراقبون والخبراء القانونيون، أنه بالإمكان «دستورياً» إقالة الحكومة، من خلال طلب ثلث أعضاء مجلس النواب، عقد جلسة للتصويت على سحب الثقة، والتصويت بالموافقة، بالأغلبية المطلقة «نصف 1»، إلا أن سحب الثقة، يتطلب تعيين رئيس وزراء جديداً، بتكليف من رئيس الجمهورية، وهو غير موجود حالياً، بسبب المرض والعلاج خارج العراق، ويبقى الحال على ما هو عليه.
وهناك رأي يقول: إن بإمكان نائبه أن يحل محله، إلا أن هذا الرأي مرفوض دستورياً، إذ لا ينص الدستور على وجود نائب أو نواب لرئيس الجمهورية، وقد تم تعيين نائبين له لأغراض «الترضية السياسية والطائفية»، وليست لهما صلاحيات، إلا ما يخولهما الرئيس حصرياً، وأحد هذين النائبين محكوم بالإعدام غيابياً، والآخر مخوّل فقط بالتوقيع على تنفيذ أحكام الإعدام.
صعوبة حل البرلمان
أما حل مجلس النواب، فهو الأكثر تعقيداً، لأنه من الصعوبة تخلي الأغلبية المطلقة «163 نائباً» عن مقاعدهم طوعياً.
ويمكن حل مجلس النواب في حالتين، الأولى هي أن يقوم المجلس بحل نفسه، بموافقة الأغلبية المطلقة من أعضائه، وهذه الحالة غير واردة، كما أسلفنا، والحالة الثانية تقديم مقترح بهذا الخصوص من قبل رئيس مجلس الوزراء إلى رئيس الجمهورية بحل المجلس، وفي حال موافقة رئيس الجمهورية، يقدم طلباً إلى رئيس مجلس النواب، الذي يقوم بدوره بعرضه على المجلس، الذي يجب أن يصوت بالأغلبية المطلقة على الطلب.
وقد حاول المالكي الالتفاف على هذا التسلسل، وسرب من خلال وسائل الإعلام أنه سيقدم طلب حل البرلمان إلى نائب الرئيس خضير الخزاعي «حزب الدعوة»، إلا أنه قوبل بالرفض، وخاصة من الجانب الكردي، الذي اعتبر هذه المحاولة سلباً لمنصب هو من استحقاق الكرد، إضافة إلى عدم دستوريته، لأن الخزاعي غير مخول من رئيس الجمهورية، إلا في تخصص الإعدامات حصرياً، كما أن رئيس الجمهورية «لم يمت» لكي يرثه المالكي.
دستور احتلال
يؤكد محللون أن المرجعية القانونية للجنة إعداد وصياغة مشروع الدستور في العراق هو قانون إدارة الدولة الذي وضعته سلطات الاحتلال على عهد السفير بول بريمر، باعتباره الحاكم أو المفوض السامي الأميركي في العراق، وهو قانون غير شرعي، لأنه من وضع سلطات الاحتلال التي لا يحق لها أصلاً التعرض للدستور طبقاً لأحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949، فهو إذاً باطل والباطل لا يبنى عليه.
وأكد المحللون أن مشروع الدستور هو مشروع الاحتلال للعراق، بغض النظر عما يتضمنه من جوانب إيجابية، أو سلبية، وبذلك فهو غير شرعي سواء أعد بإشراف أو من قبل سلطات الاحتلال وفي زمن الاحتلال، فكيف إذا كانت بعض مضامينه خطيرة إلى الحد الذي تهدد معه دولة العراق كوجود وكهوية وكمستقبل، بما في ذلك تغييرها إلى دولة اتحادية قابلة للتقسيم.
وأكد المحللون أن أي تصويت من جانب الشعب العراقي كلاً أو جزءاً، وبأي اتجاه كان، لا يمكن الاعتداد به لكونه ناقص السيادة .