في خطابٍ هو الأول من نوعه منذ يونيو الماضي طرح الرئيس السوري بشار الأسد أمس مبادرة مشروطة لحل الأزمة في بلاده، تستثني من وصفها بـ«دمى الغرب»، في إشارة إلى المعارضة الخارجية، والجيش الحر، الذي يتوجب عليه وقف النار أولاً بالتوازي مع سحب الخارج دعمه للثوار تمهيداً لنزع سلاحهم، على أن يتلو ذلك حوار وطني ودستور وانتخابات وحكومة جديدة، رغم حديثه عن عدم وجود «شريك سياسي»، مهاجماً بشدة الثورة، لترد المعارضة برفض المقترحات.
واعتبر الأسد في كلمة أمام حشدٍ في دار الأوبرا بدمشق قاطعه فيها الحضور ثماني مرات بالتصفيق وتحاشى الاتيان على ذكر المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي، أن ما يحدث في بلاده «ليس صراعاً بين حكم ومعارضة، بل بين حالة الأمان وحالة الرعب، وبين الوطن وأعدائه القتلة المجرمين الذين خربوا البنية التحتية وعبروا عن جاهليتهم»، على حد وصفه.
وأردف: «نحن أمام حالة حرب بكل ما للكلمة من معنى»، مستطرداً: «أسموها ثورة وهي لا علاقة لها بالثورات. إنهم حفنة من المجرمين»، على حد تعبيره، قائلاً: «لقد جاءوا من كل حد وصوب، حيث إن كثيرا منهم أتوا من أفغانستان من أجل مفاهيم منحرفة يسمونها جهاداً».
اتهام وشكر
واتهم الأسد، في خطابه الذي دام 50 دقيقة دون أن يتم التأكد فيما إذا كان مباشراً أم مسجلاً، الدول المجاورة لبلاده بـ«السعي للهيمنة ومد الإرهابيين بالمال والسلاح لإخراج سوريا من المعادلة في المنطقة» وقال إن دول الجوار تجور على بلاده.. في حين وجّه الشكر إلى الدول «التي ترفض التدخل في شؤون سوريا انطلاقاً من مبادئها ومصالحها، وعلى رأسها روسيا والصين وايران».
شروط الحل
وأشار إلى أن الحل السياسي «يكون بالتزام الدول المعنية بوقف تمويل وتسليح وإيواء المجموعات المسلحة، وبالتالي وقف العمليات الإرهابية». والخطوة الثانية تكون بأن «توقف القوات المسلحة العمليات العسكرية مع الاحتفاظ بحق الرد»، مطالباً بـ«آلية لضبط الحدود».
وأضاف أنه في المرحلة الثانية «ستقام اتصالات مع أطياف الشعب لعقد مؤتمر للحوار الوطني يضع ميثاقاً ينبذ الإرهاب والعنف ويرفض التدخّل الخارجي». وأشار إلى أن الحوار «يجب أن يكون هدفه التوصل إلى قانون جديد للأحزاب ودستور جديد يعرض على الاستفتاء الشعبي على أن يعرض الميثاق الوطني أيضاً على الاستفتاء».
وتنص المبادرة أيضاً على «تشكيل حكومة موسعة تنفذ الميثاق، وبعدها تقوم الحكومة الموسعة بإقرار قانون انتخابي جديد يدعى بناء عليه إلى انتخابات».
وأشار الأسد إلى أنه بعد الانتخابات «يتم تشكيل حكومة جديدة وفقاً للدستور الجديد تدعو إلى مؤتمر مصالحة وطنية وإصدار عفو عام عن جميع المعتقلين وتأهيل البنى التحتية والتعويض على المتضررين»، لافتاً إلى أن «الحكومة ستقوم بوضع التفاصيل وستصدر في الأيام المقبلة مشروعاً موسعاً للرؤيا».
لا شريك سياسياً
وأكد الرئيس السوري أن «أي مبادرة خارجية للحل يجب أن تكون متوافقة مع هذه الخطة ولا تخرج عنها، لكيلا نضيع وقت أحد»، منوهاً إلى أن «أي إشارة إلى المرحلة الانتقالية لا تعني غير الانتقال من حالة عدم الاستقرار إلى الاستقرار»، حيث أفاد في هذا الصدد إلى تأييد نظامه مبادرة جنيف «التي تحفظنا على بند منها وهو بند المرحلة الانتقالية الغامض». كما اعتبر أن «لا شريك سياسياً»، في إشارة إلى المعارضة، متسائلاً: «مع من نتحاور؟، هل مع أصحاب الفكر المتطرف، ام مع دمىً صنعها الغرب؟»، في تلميح آخر إلى المعارضة الخارجية.
أكراد وفلسطينيون
وفاجأ الأسد الحاضرين بإشارة مديح غير مباشرة وغير مسبوقة إلى مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بجناحه السوري المسمى الاتحاد الديمقراطي، محييّاً «شباب قرية رأس العين الذين منعوا دخول المسلحين من تركيا»، حيث كان مقاتلو الحزب اشتبكوا في الآونة الأخيرة مع ثوار الجيش الحر في مدينة رأس العين الكردية، محاولين منعهم من دخول المدينة على الحدود التركية.
كما حيا الرئيس السوري «كل فلسطيني شريف في سوريا صان العهد وتآخى مع كل سوري أصيل، ولم يعامله كفندق استجمام يغادره عندما تشتد الظروف»، في غمزٍ من قناة حركة حماس التي اختلفت قيادات مكتبها السياسي مع طريقة تعامل الأسد مع الثورة فغادرت دمشق.
المعارضة ترفض
وعلى الفور، رفض الناطق باسم الائتلاف الوطني السوري المعارض وليد البني مبادرة الأسد. وقال في تصريحات إن الأخير «يريد عبرها قطع الطريق على التوصل الى حل سياسي قد ينتج عن الاجتماع الاميركي الروسي المقبل مع الوسيط الدولي، وهو ما لن تقبل به المعارضة ما لم يرحل هو ونظامه».
الخطاب أعاد الكهرباء وحدد نوع الطبخة
«الشعب يريد معرفة طول خطاب الأسد لتحديد نوع الطبخة». لم تكن هذه مزحة، بل واقع سألت عنه أمهات بقصد تشغيل الفرن على الكهرباء وتجهيز طبخة قيد الإمكان، إذ من المعروف أن المناطق المنكوبة من سوريا ستنعم بالكهرباء طول خطاب رئيس النظام بشار الأسد.
وحفلت مواقع الانترنت المؤيدة للثورة السورية بالكثير من التعليقات الساخرة على خطاب الأسد ومنها: «الفرحة تعم أرجاء المحافظات السورية بمناسبة الإعلان عن خطاب للرئيس، ويتمنون أن يكون الخطاب طويلاً قدر الامكان ويناقش كل التفاصيل بغض النظر عن المضمون، طالما سيكون هناك كهرباء طول فترة الخطاب».
وفي تعليق آخر: «البعض طالبوا بمعرفة طول الخطاب لتحديد نوع الطبخة التي يمكن ان تنجز باستخدام الفرن الكهربائي وتحضير المقادير، بينما البعض الآخر طالب أن يكون الخطاب ليلاً بسبب الحاجة للكهرباء في الليل أكثر من النهار».
وعادت الكهرباء فعلاً إلى مناطق واسعة لمدة 50 دقيقة هي مدة الخطاب. ونقلت تعليقات ساخرة أخرى مقارنة بين تاريخين.
ففي يناير 2011، كان النظام لا يزال يسيطر على جزء كبير من سوريا، وبالتالي بدأ الأسد خطابه وسط نطاق من الخوف من قبل المعارضين، حيث اقتصر التعليق على الإنترنت على من هم خارج سوريا. وفي يناير 2013، بات الجيش الحر يسيطر على مساحة واسعة من سوريا، ودمشق وحلب دخلتا خارطة الثورة أخيراً، وتحول الخوف من المعارض للموالي.
وفي يناير 2011، وقف السوري المؤيد لنظام الأسد بابتسامة تعلو وجهه توحي بأنه سعيد بمشاهدة رئيسه يضحك ويخطب ود الموالين ويطمئنهم. وفي يناير الجاري، بات نفس المؤيد يشعر بخوف حقيقي مما قد يقوله رئيسه.
إجراءات أمنية
قبيل بث الخطاب بساعة، أفاد سكان في العاصمة السورية عن انقطاع عام لشبكة الانترنت في دمشق. كما تحدثت لجان التنسيق عن انتشار أمني كثيف في شارع المعرض، مع إغلاق طريق المزة الرئيسي. وبعدما كانت وكالة الانباء السورية الرسمية والتلفزيون الرسمي السوري ذكرا في خبر مقتضب ان بشار الأسد سيلقي كلمته «قبل ظهر الأحد»، عدل التلفزيون صيغة الخبر في آخر موجز له قبيل الكلمة ليكتفي بالقول ان الخطاب سيلقى «الأحد»، دون تحديد زمان ومكان الكلمة. البيان
