لا شك أن واشنطن غارقة الآن بمشاغل واستحقاقات داخلية تلهيها عن أي اهتمامات خارجية أخرى على الأقل حتى فبراير المقبل.
يدشن الرئيس باراك أوباما ولايته الثانية في العشرين من الشهرالجاري. بعد أيام، يلقي خطابه السنوي عن حالة الاتحاد. وفي الوقت ذاته، يواصل تركيب إدارته الجديدة. أزمة «الهاوية المالية» التي جرى تجاوزها بصورة جزئية ومؤقتة، مرشحة لتفريخ «هاويات» أخرى قريباً.
وما زاد في تأجيل الملفات الخارجية، أن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أقعدتها نكسة صحية عن مزاولة مهامها، منذ ثلاثة أسابيع؛ وليس من المتوقع أن تستأنف عملها قبل غد الاثنين، على أن تصرف ما تبقى لها من أيام في الخارجية في التوديع وتجميع أوراقها للمغادرة. خليفتها جون كيري، لن يباشر مهامه الرسمية قبل موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه ربما في أواخر الجاري.
لكن كل هذه الأولويات الراهنة لا تفسّر وحدها الفتور الذي تبديه الإدارة تجاه ما يتردّد عن طبخة سياسية للأزمة السورية، يشرف عليها المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، بضوء أصفر روسي وبهارات أميركية.
لا تنفي أوساطها وجود محاولة جارية من هذا النوع. بل سرت معلومات تفيد أنها عاكفة، من خلال فريق من المختصين، على فرز عدد من الشخصيات السورية الإدارية والأمنية والعسكرية المحسوبة على النظام لكنها «غير ملطخة»، على أساس أنها كانت «مأمورة»؛ لتحتل مواقعها في التركيبة الانتقالية. وعندما سئلت الخارجية عن مدى صحة هذه المعلومات لم تؤكدها لكن من غير أن تنفيها.
مساومة متبادلة
وتحدثت كلينتون الأسبوع الماضي على سريرها في المستشفى مع الإبراهيمي لمدة نصف ساعة، مما يشير إلى أن الصفقة مازالت في مرحلة المساومة والمقايضة المتبادلة. ويتحدث المسؤولون الأميركيون بلغة مبهمة عن لقاء ثلاثي، أميركي- روسي- إبراهيمي، يجري الإعداد له، لاستكمال التفاوض حولها.
تقول الخارجية إن عطلة الأعياد في روسيا (الميلاد الأرثوذكسي المتأخر) ورأس السنة، ساهمت في تأجيل موعده ربما إلى منتصف الشهر، في حين يزعم الروس أن الاتفاق تمّ مع واشنطن لعقده في مطلع العام. زعم لم تنفه الإدارة. التباس يشي بأن واشنطن غير مستعجلة. ولهذا أكثر من تفسير، أحدها تقني دبلوماسي. كلينتون لن تشارك فيه على الأرجح، بحكم ضيق الوقت. ولا طبعاً كيري، غير الرسمي بعد. ي
بقى نائب الوزيرة وليم بيرنز ليمثل واشنطن. الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم مشاركة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في غياب الندّ الأميركي. وربما اختار نائبه للمهمة. وبهذا المستوى يكون اللقاء، لو حصل، من باب رفع العتب لا أكثر. التفسير الآخر يتصل بجوهر الموقف الأميركي من الأزمة. وهذا أمر مازال قيد التداول والسجال داخل الإدارة وخارجها.
ثلاثة توجهات
في هذا الصدد، يتوزع الجدل في واشنطن على ثلاثة توجهات: دعاة التدخل الفعّال، من غير دخول عسكري مباشر يقودهم فريق من المحافظين في مجلس الشيوخ الأميركي مثل السناتور جون ماكين وزميليه ليندسي غراهم وجو ليبرمان.
ودعاة الإصرار على صفقة أوسع تشمل إيران النووية وسوريا وتحمل لواءها مجموعة أميركية أوروبية سياسية إعلامية منها دنيس روس من «مؤسسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» والمبعوث الأسبق لعملية السلام ومعه السفير الفرنسي الأسبق في واشنطن جان- ديفيد لفيت والمعلق المعروف جيم هوغلاند من «واشنطن بوست» والأستاذ في جامعة هوبكنز والي نصر، وهو من أصل إيراني.
ويكون ذلك بربط «تخلي إيران عن النووي العسكري مقابل إشراك ضباط علويين في الحكومة السورية الانتقالية»، على أن يؤدي ذلك إلى نهاية النفوذ الإيراني في سوريا ما بعد بشار الأسد. الفريق الثالث يقول بضرورة العمل مع موسكو من خلال مهمة الإبراهيمي، للعثور على مخرج سياسي للأزمة السورية وحدها وبما يحفظ لروسيا دورها ومصالحها في سوريا الجديدة.
الخيار الأقرب
تبدو الإدارة، كما توحي أجواءها، أنها أكثر قرباً من الخيار الثالث، مع الإصرار على استبعاد الأسد ومن «تلطّخت» أيديهم بالدماء. وهنا النقطة التي يعمل عليها الإبراهيمي والتي يرجح قبول موسكو بها مقابل ثمن. أي استبعاد الأسد وقبول بعض الوجوه في نظامه. لكن واشنطن تميل إلى الانتظار بحجة انشغالها بالعملية الانتقالية إلى الإدارة الجديدة.
وهي تحت هذا الغطاء، تبقي عينها على ما يمكن أن ينتجه الصراع السوري الدائر على الأرض والذي يتوقع عدد من الخبراء والدبلوماسيين، أن يشهد مفاجآت دراماتيكية قريبة أكثر مما كان في الاعتقاد. ويتوقع هؤلاء انهيار النظام من الداخل. وربما حصل ذلك على أيدٍ عسكرية. ويشار في هذا المجال إلى انشقاق قائد الشرطة العسكرية السورية مؤخراً.
صفقة روسية
كل السيناريوات ضاغطة وفي سباق مع الزمن. وفي الأسابيع المقبلة، لابدّ وأن تتبلور خيارات الإدارة بصورة أوضح. وعلى الأرجح بإبرام الصفقة مع روسيا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة طي صفحة الأزمة. ما حذّر منه الإبراهيمي، لناحية خطر الصوملة؛ قد يكون المسار الجديد لها، وفق توقعات المتخوفين من تنامي النفوذ الميداني للقوى السلفية، كما من عمق التباغض والتنافر الطائفي الذي بلغه الصراع.
خطاب الأسد
توقعت مصادر في القيادة السورية أن يطرح الرئيس بشار الأسد خلال «القريب العاجل» تسوية في إطار «خطاب يشمل رؤيته لحلّ الأزمة». وكشفت مصادر مطلعة لصحيفة «الأخبار» اللبنانية النقاب عن أنّ مضمون الخطاب «مطابق لنصّ رسالة نقلها نائب وزير الخارجية فيصل المقداد من الأسد إلى موسكو»، التي زارها الأسبوع الماضي.
وتتضمن بنود التسوية «وقف إطلاق النار وحضور مراقبين دوليين إلى سوريا للإشراف على تطبيقه وإنشاء لجنة تأسيسية لتعديل الدستور وتأليف حكومة وحدة وطنية وانتخاب مجلس نواب عبر انتخابات حرّة بمراقبة دولية».
وأضافت المصادر أنه «من المتوقع أن يتضمن خطاب الحلّ رؤية حل شامل لتحقيق استقرار المنطقة ككل، تتضمن المطالبة بالاعتراف بشرعية الموقف السوري في دعمه للقضيتين الفلسطينية واللبنانية، ومقاومتهما، وأيضا سعي سوريا إلى تحرير أراضيها المحتلة، ويضاف هذه المرة الاسكندرون إلى الجولان». بيروت د. ب. أ
