يعد يناير شهر الثورات والانتفاضات الشعبية في تونس حتى أنه بات يمثّل هاجساً مؤرقاً للحكام والحكومات المتلاحقة، ولا تعتبر ثورة ١٤ يناير ٢٠١١ التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي حالة متفردة وإنما سبقت أحداث أخرى قد تكون أكثر دلالة وتأثيراً في تاريخ البلاد المعاصر، من بينها الثورة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي التي انطلقت شرارتها الأولى يوم ١٨ يناير ١٩٥٢، وكانت تونس تحتفل بهذه الذكرى تحت اسم «عيد الثورة» إلى أن ألغاها بن علي بعد توليه السلطة العام ١٩٨٧.

وفي ظل دولة الاستقلال شهد يوم ١٧ يناير ١٩٦٢ إعدام ١١ تونسياً كانوا يخططون للانقلاب على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة حينها، كما حكم بالسجن على عدد آخر من بينهم عزالدين الشريف الذي كان من أبرز قادة حادثة قفصة في يناير ١٩٨٠ وهي عملية عسكرية تم الإعداد لها من قبل عناصر في التيار القومي الثوري الذي كان مدعوماً من قبل النظام الليبي السابق والذي أطلق على نفسه اسم الحركة الثورية لتحرير تونس.

وفي الليلة الفاصلة بين يومي ٢٦و27 يناير١٩٨٠ هاجمت المجموعة المسلحة ثكنة عسكرية بالمدينة واحتجزت أفرادها، كما هاجمت مقرات الشرطة وسعت إلى توزيع السلاح على المواطنين اعتقاداً من أن هؤلاء لا ينتظرون سوى الشرارة الأولى لينتفضوا ضد نظام بورقيبة كما كانوا يعتقدون أن الانتفاضة التي ستنطلق من قفصة ستسري في كل أنحاء البلاد.

كما شهدت تونس انتفاضة ٢٦ يناير ١٩٧٨ التي قادها الاتحاد العام التونسي للشغل في ظل حالة من انسداد الأفق الاجتماعي والسياسي والصراع حول الخلافة، وانطلقت الأحداث من مدينة دوز في جنوب البلاد ومن مناطق أخرى ثم بإعلان الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يتزعمه الحبيب عاشور في تلك الفترة عن إضراب عام في البلاد، للمطالبة بالحريات وحقوق العمال.

وانطلقت في اليوم ذاته المظاهرات في كامل مناطق البلاد لتواجه بالرصاص الحي وتدخل الجيش وإعلان حظر التجوّل وأدت أعمال العنف إلى سقوط ٥٢ قتيلاً من المتظاهرين في حين قالت المصادر الطبية إن عدد القتلى بلغ ٢٠٠، وأطلق على ذلك اليوم اسم «الخميس الأسود».

وفي ٣ يناير ١٩٨٤ عرفت تونس ما سمي بانتفاضة أو ثورة الخبز، وتعود تفاصيلها إلى أواخر شهر ديسمبر ١٩٨٣ عندما قررت الحكومة برئاسة محمد مزالي الزيادة في سعر الخبز تحت ضغط صندوق النقد الدولي الذي كان يطالب بإلغاء صندوق التعويض والرجوع إلى حقيقة الأسعار. ففجرت هذه الزيادة انتفاضة شعبية في كل أنحاء البلاد انطلقت من سوق الأحد بالجنوب التونسي ثم اتسعت لتشمل الجهات الأخرى. وبلغت أوجها ٣ يناير ١٩٨٤ بتونس العاصمة.

وفي يناير ٢٠١١ كانت تونس قد دخلت المرحلة القصوى من الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت من سيدي بوزيد يوم ١٧ ديسمبر ٢٠١٠ بعد أن أقدم محمد البوعزيزي، البائع المتجوّل على إشعال النار في جسده أمام مقر الولاية «المحافظة» احتجاجاً على ظروفه الاجتماعية الصعبة وتنطلق شرارة أنهت حكم بن علي 14 يناير 2011 ثورة ليبقى شهر يناير مخيفاً لحكام تونس بمن فيهم الحكام الجدد، ولا يعرف أحد سر ارتباط هذا الشهر بالثورات في تونس.