عمد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى تأجيل الفصل في تعديل الدستور إلى العام الجديد بشكل قد يسمح بمباغتة مناوئيه من القوى السياسية والشخصيات الفاعلة، التي ترغب في الحد من طموحه في تفصيل دستور جديد على المقاس، قد يطلق العنان لطموحات الرجل في المضي نحو ولاية رئاسية رابعة مدتها 5 سنوات.
ويرى متابعون للشأن السياسي الجزائري، أن العام 2013 سيكون مرحلة فاصلة في تحديد معالم المرحلة المقبلة، بالاعتماد على طبيعة الدستور القادم الذي يحرص محيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على صياغته، بما يتوافق مع ضمان شبه الاستمرار للوضع الحالي على الرغم من سلبياته المتعددة، سواء في المجالات السياسية والحريات الفردية والجماعية، أو على صعيد الحرية الاقتصادية التي تحتاج إلى مراجعة جذرية بالشكل الذي يضمن المزيد من الحرية في المقاولة وخلق الثروة ومحاربة الفساد، من خلال مؤسسات وتشريعات قوية ومستقرة والمرور نحو التكريس الفعلي لمبدأ الفصل بين السلطات بعد أزيد من نصف قرن من الاستقلال.
تسويف
وأوضح وزير الداخلية الجزائري دحو ولد قابلية، أن تحضير مسودة الدستور الجديد تستغرق بعض الوقت، وهو ما يجعل الاستفتاء على الدستور يتم في النصف الثاني من عام 2013.
ورفض ولد قابلية إعطاء المزيد من التفاصيل بشكل يحيل إلى أن الرجل لا يملك المعطيات الكافية عن مشروع تعديل الدستور، الذي تقرر في سياق الإصلاحات السياسية التي أعلنها في 15 ابريل 2011.
وقال وزير الداخلية إن الحكومة ستجتمع فور تسلمها التعديلات الدستورية لمناقشتها والمصادقة عليها، ثم إحالتها إلى البرلمان بغرفتيه للمصادقة عليها، على أن يتم استفتاء الشعب على الدستور الجديد في نهاية المطاف.
وتجمع الطبقة السياسية المحلية في الجزائر على أن الدستور الذي سيعدل خلال العام الجاري سيسمح بحسم بالكثير من المسائل المهمة، وخاصة ما تعلق منها بطبيعة نظام الحكم، حيث تطبع ذلك تجاذبات كبيرة بين من يعمل على إقرار نظام رئاسي مطلق، ومن يرى بضرورة المضي نحو ما يمكن اعتباره المرور إلى الجمهورية الثانية من خلال نظام برلماني، غير أن خطوة من هذا القبيل لا تزال تلقى رفضاً شبه قاطع من المحافظين في الحزب الحاكم ومن طرف أركان المؤسسة العسكرية في الجزائر، والتي ترفض الانسحاب من الحياة السياسة على الرغم من تورطها في مستنقع الحرب الأهلية في مرحلة التسعينات.
نظام الولايتين
إلى جانب طبيعة نظام الحكم الذي سيحدده الدستور القادم، دفعت الثورات العربية ورغم توقفها عند الحدود التونسية النظام الجزائري إلى الحد من عدد الولايات الرئاسية، حيث برز شبه إجماع على ضرورة العودة إلى دستور 1989 الذي يحدد مدة الرئاسة بولاية واحدة من خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وهو الشرط الذي أسقطه الرئيس بوتفليقة في أكتوبر 2008 من خلال التعديل الذي استهدف المادة 74 من الدستور، بالشكل الذي ضمن له ولاية رئاسية ثالثة تنتهي سنة 2014.
والغريب أن حجة الرئيس بوتفليقة كانت بدعوى أن تقييد الترشح بولايات محددة هو تقييد لإرادة الشعب، ومع هذه المناورات تبقى هذه المادة مرشحة أيضا للمراجعة في الدستور القادم حيث يتوقع العودة إلى النظام القديم وخاصة مع الظروف الصحية التي يعانيها الرئيس بوتفليقة، والتي قد تشجعه على تحديد الولايات والتعويض عن ذلك بإقرار منصب نائب الرئيس بصلاحيات واسعة تسمح له بضمان الاستمرارية في حال عجز الرئيس الحالي عن ضمان مهامه الدستورية لسبب صحي أو لسبب من الأسباب.
حصر الولايات
يتطلب حصر الولايات مجددا في ولايتين مدتهما مجتمعتين 10 سنوات، توفر جملة من الشروط أهمها رفض شعبي صريح لمنح ولاية رئاسية رابعة للرئيس الحالي بوتفليقة، أو وجود إرادة واضحة من المؤسسة العسكرية بضرورة المضي نحو إصلاحات سياسية حقيقية، وهي النقطة موضع الخلاف بين «صقور» و«حمائم» المؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى الرفض المطلق لمحيط الرئيس للتخلي عن الحكم وخاصة الشقيق الأصغر لرئيس الجمهورية، الذي يدير خيوط اللعبة بطريقة طالت المنافسين المتوقعين لشقيقه الرئيس الحالي في الاستحقاق القادم ومنهم الوزير الأول السابق، والأمين العام الحالي للتجمع الوطني الديمقراطي احمد أويحيى، الذي أصبحت أيامه على رأس التجمع معدودة.
وبالإضافة إلى ما سبق، يتطلب الأمر أيضا شجاعة أخلاقية من الطبقة السياسة الجزائرية، وهو الشيء المستبعد بسبب الحال المتردية لهذه الطبقة المرتبطة عضويا بالنظام القائم بشكل من الأشكال وأهمها الفساد، ثم أخيرا، المحيط الدولي الضاغط، وهي نقطة مستبعدة أيضا بسبب نجاح النظام الحالي في تحييد الضغوط الأميركية والأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص عن طريق صفقات اقتصادية ونفطية، يحتاج إليها الغرب في أزمته الراهنة أكثر من حاجته لإقرار الديمقراطية التي يطالب بها الشعب الجزائري.