قبل شهور كانت الروايات التي تتنبأ بتدهور الوضع الإنساني والمعيشي إلى درجة تقاطع تفاصليها مع حياة القرون الوسطى في حلب، أشبه بضرب من الخيال في عقول أكثر الشرائح التي نال منها اليأس جراء استمرار الصراع المسلح في البلاد، واليوم كما يقول أهل حلب، وقع الفأس بالرأس، وغدا كل ما يقال عن أنماط وأساليب الحياة البدائية التي عصفت بحياتهم اليومية واقعاً مقيماً.
فآثار الأزمة الإنسانية والمعيشية المتفاقمة جراء الصراع الدائر بين قوات المعارضة والجيش النظامي تكاد تبدل معالم العاصمة الاقتصادية إلى مدينة تفتقر إلى أبسط شروط العيش البشري، فنفاد الحاجيات الضرورية من الديزل والغاز والخبز والماء والكهرباء في أحلك ظروف الشتاء القاسي، ناهيك عن عدم إمكانية الناس مجاراة ارتفاع الأسعار الصاروخية التي تعصف بالمواد الحيوية والغذائية، تجعل من شق طريق الحياة وسط هذه الكارثة احتمالاً صعباً.
دخان الحطب
ويتضح جلياً حجم معاناة الناس في حلب، حين يتصاعد الدخان بكثافة فوق المدينة ليلاً ونهاراً حتى إنه يختلط على المرء، ما إذا كان الأمر ظاهرة متعلقة بطقس الشتاء القارس وما يرافقها من ضباب كثيف، أو أن مصدره من استخدام الناس للحطب، بدلاً من أسطوانة الغاز، وباقي المحروقات. كما تحولت شرفات المنازل إلى مكان مثالي لإشعال الحطب، بغرض الطبخ وتسخين المياه، وسط انتشار حالات الاختناق الناتج عن الدخان حسب ما يقوله السكان. وبعد أن أوصدت الأبواب في وجه أبو ميسر، اضطر إلى أن يحول شرفة المنزل إلى مكان لطهي الطعام، تارة على الحطب وتارة أخرى على نيران البوابير، التي انقرضت منذ عقود.
جوع الأطفال
يقول أبو ميسر: «حين يجوع الأطفال، ولا تملك الغاز ولا حتى المدفأة، عليك البحث عن أدوات بديلة، نعرف أن هذه الطريقة حولت أثاث المنزل والجدران إلى سواد قاتم، كما يصعب التنفس وسط الدخان المنتشر، لكنها تجعلنا على قيد الحياة».
حتى إن هذا الأسلوب يواجه عراقيل جمة في وجه المنكوبين، فعدا عن تحول حلب إلى مدينة أسمنتية لكثرة قطع الأشجار المزروعة في الحدائق والشوارع، أدى الارتفاع الصاروخي لمادة الحطب إلى إرهاق المواطنين الذين يعيشون على المساعدات أصلاً. ويقول عمر الحلبي، وهو من حي الشعار ويسكن بجوار الحديقة الموازية لمنزله: «بات الخشب الوسيلة الوحيدة المتبقية للتدفئة وتسخين المياه والأكل في ظل الشتاء القارس، ولهذا عمد التجار إلى قطع أشجار الحدائق في كل من الحمدانية والأشرفية والشعار والهلّك ومساكن هنانو، وطالت هذه الظاهرة لتصل إلى الأشجار المثمرة في الريف».
وبحسب ما يروي عمر فإن التجار يبيعون الحطب بأسعار خيالية في ظل ارتفاع الطلب عليه، حيث يصل سعر طن واحد إلى 25 ألف ل.س، الأمر الذي يحرم غالبية سكان المدينة من اقتنائها، ولم يبق أمام الأهالي سوى الاعتماد على الملابس العتيقة والأثاث المنزلي وطاولات الخشب لطهي الطعام وتسخين المياه.
ظاهرة جديدة
وعلى هذا الأساس، ظهرت ظاهرة جديدة في حلب، تختزل في وضع الأحذية البلاستيكية الرخيصة، وخراطيم المياه السميكة، إضافة إلى الأكياس والمواد الغذائية والسماد داخل مدفأ الحطب في سبيل الدفء، وطهي الطعام، وهذه الظاهرة توسعت بشكل كبير في حي الأشرفية والشيخ مقصود وبستان الباشا.
ويروي سروان وهو مواطن كردي يعيش في الأشرفية، كيف أنه اتبع هذه الطريقة لتأمين لقمة عيش أطفاله، قائلاً: «ندرة الحطب، حدا بنا إلى اللجوء لهذه المواد القابلة للاحتراق والاشتعال، وحين تنعدم هذه المواد في المنازل، نرسل أطفالنا إلى الشوارع والمحلات الغذائية لجمع هذه المخلفات، حتى باتت تباع أحياناً في زوايا الحارات على يد الأطفال أنفسهم، في الوقت الذي كانت ترمى تلك المواد إلى النفايات في السابق».
ولا يتوانى الأهالي مع هذه الطريقة في وضع الخضروات داخل المدافئ، إذ يستغلون فترة اشتعال النيران في طهي البطاطا، والبصل، والبندورة، كحل ناجع بدلاً من القلي على اسطوانات الغاز المفقودة من المدينة».
برغل وعدس
وحسب ما يقوله النشطاء إن المأكولات الرئيسية التي باتت تفرش على موائد العاصمة الاقتصادية ذات الصيت بمأكولاتها الشهية، تنحصر في أكلة البرغل والعدس والرز، وهذه الحالة ليست مقتصرة على طبقة بعينها، بل وحدت الطبقة الوسطى مع الفقيرة، وذلك أن هذه المأكولات تعتبر بديلاً مناسباً عن غياب مادة الخبز، والتي يعاني من نقصها كل الشرائح الاجتماعية.
هذا الخناق الذي يضيق على الأهالي، جعل من بعض الأغنياء وميسوري الحال يبتكرون حلولاً أخرى لتأمين الوجبة اليومية اليتيمة في الأحياء المنكوبة، وذلك في طبخ الطعام في ما يسمى بـ «الحلّة» في الشوارع، ومن ثم توزيعها على الطوابير المصطفة من الأطفال والنساء.
دعم مشروط
حسب السكان فإن الدعم الإغاثي والمنظمات الإنسانية كالهلال الأحمر وغيرها، تخضع للأجندات السياسية، ولا توزع المساعدات إلا تنفيذاً لمآرب معينة، وبهذا يصف الأهالي المجاعة في حلب بأنها متعمدة، بغية تمرير الأهداف السياسية سواء على الصعيد الداخلي والخارجي.