عاشت مصر في 2012 عاما استثنائيا بكل ما تحمله الكلمة من معان، فمصر في «عامها الثاني» للثورة كانت على موعد مع صفيح ساخن، إثر أحداث سياسية متلاحقة كان عنوانها الأبرز الانقسام الحاد بين الفرقاء الذين كانوا «يداً واحدة» في ميدان التحرير وسط العاصمة القاهرة حين أسقطوا الرئيس السابق حسني مبارك، غير أن الحال لم يعد كذلك الآن، على الأقل.
واستهلت «الجمهورية الثانية» في مصر عامها الثاني بعد الثورة باكتساح الإسلاميين للانتخابات البرلمانية والتي حصلوا فيها على ثلثي مقاعد مجلس الشعب، الذي كان مسار جدل واسع استمر حتى بعد حلّه في يونيو بحكم من المحكمة الدستورية العليا استنادا لبطلان القانون الذي أجريت عليه الانتخابات.
وعلى وقع استقطاب حاد امتد حتى وقتنا الراهن استقبلت مصر الذكرى الأولى لثورتها في 25 يناير بانقسام غير مسبوق تجلى في ميدان التحرير الذي كان رمزا للوحدة. لكن في الذكرى الأولى للثورة لم يكن كذلك إذ انقسم الفرقاء بين من رأى «الثورة محلك سر» مطالبين بإسقاط حكم العسكر الذي كان يدير الفترة الانتقالية آنذاك وآخرون رأوا أن الثورة في الطريق إلى تحقيق أهدافها وإن كانت «تحبو».
كارثة مروعة
وحمل شهر فبراير «فجيعة» كبرى للمصريين إثر مقتل أكثر من 70 شخصا وإصابة المئات بجراح عقب مباراة كرة قدم أقيمت بين ناديي الأهلي والمصري في مدينة بورسعيد الساحلية، وهي أكبر كارثة في تاريخ الرياضة المصرية، واعتقد الكثيرون أن هذه الأحداث «مدبرة ومخطط لها بعناية»، وأعلن الحداد الرسمي في البلاد وتنكيس الأعلام في كل المصالح والهيئات الحكومية لثلاثة أيام. تواكبت هذه الكارثة مع ذكرى مشابهة وقعت أيضا في شهر فبراير 2011 وهي التي عرفت باسم «موقعة الجمل».
ورغم أن مصر عاشت شهر مارس هدوءاً حذراً كان أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، بعد أن جاء شهر إبريل مشعلا الساحة السياسية حيث فتح باب الترشح لأول انتخابات رئاسية في مصر بعد الثورة. ومع فتح باب الترشح شرع الباب واسعا لتحالفات وصفقات وانقسامات أسفرت فقط عن تقليص عدد المرشحين إلى 13.
ورغم بزوغ أمل الاستقرار لكن شهر مايو أبى ذلك، حيث حمل في طياته كارثة جديدة، وقعت فصولها في محيط وزارة الدفاع وهو ما عرف بأحداث «العباسية» والتي راح ضحيتها 11 قتيلا، إثر قيام مجهولين بمهاجمة معتصمين بالقرب من وزارة الدفاع كانوا يطالبون بتسليم السلطة من المجلس العسكري لمدنيين وإلغاء تحصين قرارات لجنة الانتخابات آنذاك التي كان يرأسها المستشار فاروق سلطان.
حبس أنفاس
وحبس المصريون أنفاسهم مع قدوم شهر يونيو ترقبا للحكم بحق الرئيس السابق حسني مبارك ووزير داخليته الأسبق حبيب العادلي وستة من كبار معاونيه في قضية «قتل المتظاهرين» التي طال انتظار البت فيها، إلا أن الأحكام جاءت صادمة للشارع وأحدثت موجة غضب واسعة بعد أن قضت المحكمة بالسجن المؤبد لمبارك والعادلي وبرأت ستة من كبار معاوني العادلي ونجلي مبارك جمال وعلاء. وأثارت هذه الأحكام موجة من الاحتجاجات والتي رأى المشاركون فيها أن الأحكام «لم تكن كافية وأنهم لن يقبلوا إلا بالإعدام تحقيقا للقصاص لضحايا الثورة». وعدّ الحكم آنذاك باب واسع للنقض عليه لتبرئة مبارك والعادلي من القضية أسوة بمساعدي العادلي.
أول رئيس مدني
وفي 24 يونيو جرى انتخاب أول رئيس مدني، حيث فاز بالمنصب مرشح حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين الرئيس محمد مرسي بعد منافسة حامية الوطيس مع المرشح الفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك. وحصل مرسي على 51.7 فيما حصل منافسه على 48.27 في المئة.
وفي حادث مروع فجع المصريين جميعا في توقيته وآثاره، قضى 16 جنديا على يد مسلحين مجهولين جنوب معبري رفح في سيناء. وإثر ذلك عزز الجيش المصري من وجوده في سيناء حيث دفع بمدرعات ودبابات للمرة الأولى منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل. واستغل الرئيس الجديد الحادث فأصدر إعلانا دستورياً نقل بموجبه صلاحيات التشريع من المجلس العسكري وأحال رئيس المجلس المشير محمد حسين طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان إلى التقاعد وأنهى على ما سمي بـ«ازدواجية السلطة». وتزامنا مع تغيير العديد من قادة الأجهزة العسكرية والأمنية آنذاك، عين المستشار محمود مكي نائبا له.
إعلان دستوري يفجر الغضب
وفي خطوة مفاجئة فجرت جدلا وغضبا واسعا أصدر الرئيس محمد مرسي إعلاناً دستورياً في نوفمبر أطاح بالنائب العام المستشار عبدالمجيد محمود وحصن قراراته ضد الطعن عليها أمام القضاء، كما حصن الجمعية التأسيسية المنوطة بصياغة الدستور، وكذلك مجلس الشورى الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الحلّ، بحسب تكهنات آنذاك، ما أثار موجة غضب واسعة في صفوف المعارضة التي احتشدت في تظاهرات غاضبة.
وبينما راحت فصائل الموالاة والمعارضة تحتشد في الشوارع تعبيرا عن موقفها من الإعلان الدستوري، كانت الجمعية التأسيسية على موعد مع الانتهاء من الدستور في محاولة للخروج من عنق الزجاجة التي سقط فيها ضحايا جدد تخضبت دماؤهم بتراب مصر أمام قصر الاتحادية، وراح كل فريق يتسابق للإعلان عن ضحاياه في الأحداث للتأكيد على مواقفه السياسية.
حوار اللحظات الأخيرة
وفي محاولة لرأب الصدع بين الفرقاء، دعا الرئيس لحوار وطني قاطعته جبهة الإنقاذ المعارضة، وخلص الحوار إلى التراجع عن الإعلان الدستوري مع بقاء آثاره، والإبقاء على موعد الاستفتاء على الدستور استنادا للاستفتاء الدستوري في مارس 2011 والذي حدد 15 يوما لطرح الدستور للاستفتاء عقب انتهاء الجمعية التأسيسية من إعداده. وأغضبت الخطوة قوى المعارضة المتمثلة في جبهة الإنقاذ معتبرة أن الأمر «ليّ ذراع» ولجأت مجددا إلى الشارع للتعبير عن رفضها للحوار ولنتائجه، في موازاة إصرار من قبل مؤسسة الرئاسة.
دستور جديد
وعقب موجة جديدة من التظاهرات أجري الاستفتاء في موعده على مرحلتين وجاءت نتائجه بتأييد الدستور الجديد الذي حظي بموافقة 63.8 في المئة من المقترعين الذين بلغت نسبتهم 32 في المئة ممن لهم حق التصويت في الانتخابات.
وفي ختام أيام العام الذي لم يهدأ شارعه السياسي يوما انتقلت السلطات التشريعية من الرئيس إلى مجلس الشورى (الغرفة الثانية من البرلمان) لتتأهب البلاد إلى فصل جديد من العراك السياسي عنوانه هذه المرة الانتخابات البرلمانية، لينطلق العام الجديد على وقع استقطاب كان ولا يزال عنوانا بارزا في المشهد السياسي.
