إذا كان التجديد للرئيس أوباما، الحدث الأميركي الأبرز للعام الذي نودّع، فإن ما انطوى عليه هذا الحدث من أبعاد كان الأهم. مدلولاته تتجاوز الفوز بمعركة انتخابية عادية. حملت ملامح مرحلة جديدة، بقواها الانتخابية ومعادلاتها وبالتالي بتوجهاتها وسياساتها الداخلية والخارجية. فالتصويت جرى في لحظة أميركية مأزومة، على أساس المفاضلة بين توجهين وليس بين مرشحين.
الجمهوريون وحزب الشاي وبقايا المحافظين الجدد أرادوه أن يكون استفتاء على أوباما وولايته الأولى. فعلوا جهدهم ليكون كذلك. لكنهم فشلوا. ليس لأن الرئيس تفوق على خصمه رومني في الوضوح والأداء، ما عدا المناظرة البائسة الأولى. بل لأن ما حمله كان أشبه بمشروع شراكة ما بين الدولة والقطاع الخاص. صيغة تحتاجها الغالبية الساحقة المتضررة من الأميركيين؛ التي لم تنهض بعد من تحت أنقاض ازمة 2008. بل هي مخرج ينقذ النظام المتغوّل من أزمته، المتمثلة بانسداد سياسي غير مسبوق وبضيق اقتصادي مالي خانق، كما ببقايا تورط نازف في الخارج.
في المقابل تمسك خصمه ومن يمثل بسياسة الامتيازات للقلة، حوالي اثنين في المئة، في زمن تتسع فيه الهوة بينها وبين الطبقة الوسطى التي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد الأميركي، تعاني من الانكماش والركود. خطاب مفلس يعكس الإصرار على الانفلات الداخلي والخارجي الذي أدّى إلى المأزق الحالي. لغة التحريض والتشويه والتخويف، التي اعتمدها المحافظون بنكهات عنصرية مختلفة؛ لم تؤتِ ثمارها. الاختيار الانتخابي كان هذه المرة له نكهة طبقية غير مألوفة في أميركا. ثمة شرخ من هذا النوع آخذ في التبلور.
أيضاً ثمة إحساس بالإجحاف بدأ يتنامى في أميركا. قوانين الضرائب مليئة بالفجوات لصالح الشركات وأصحاب المداخيل الفلكية. الملياردير وارن بافت يعترف علناً بذلك. لذا حصل في الانتخابات اصطفاف جمع الفئات المكوية بالضيق والأقليات. خاصة الكتلة الانتخابية اللاتينية، من بلدان أميركا الجنوبية، التي باتت تشكل 12 في المئة من الجسم الانتخابي الأميركي. وهي كتلة مرشحة مع الجاليات الآسيوية، لتغيير المعادلة الديموغرافية لغير صالح البيض، في المدى القريب وفق آخر الاحصاءات. ولعبت دوراً وازناً في تجيير عدة ولايات لمصلحة أوباما ومنها ما كان محسوباً تقليدياً في خندق الجمهوريين. باتت متزايدة الثقل ومرشحة لتلعب الدور المؤثر، في الانتخابات الأميركية من الآن وصاعداً. تطور جديد أخاف المحافظين، لأن من شأنه تغيير كفة الموازين والسياسات. ولهذا هم الآن يتشبثون باستمرار ما كان ويقاتلون بما لديهم من أسلحة، أهمها الغالبية في مجلس النواب، لإحباط أية سياسات تغييرية يطرحها أوباما. وإذا اضطروا، عملوا على تقزيمها. ويبدو ذلك جلياً في مماطلتهم حتى اللحظة ،لمعالجة " حافة الهاوية المالية " كما يطرحها الرئيس والتي دخلت العدّ التنازلي الذي ينتهي مع الساعات الأولى من العام الجديد.
كثيراً ما يردّد العارفون والمؤرخون في واشنطن، بأن السياسة الخارجية تستمدّ فعاليتها من عافية الوضع الداخلي. تكون الأولى على قدر ما تكون عليه حالة هذا الأخير. هكذا كان. وهكذا سيكون. الداخلي في دوامة من العجز. لا ينكر ذلك الأميركيون. مسئولون وخبراء وباحثون في مراكز الدراسات. ويعزون هذا الوضع إلى عناد الفريقين الديمقراطي والجمهوري وتوابعه.
لكن الواقع ابعد من ذلك. هناك أزمة مستعصية ومتعددة الجوانب. وليس في الساحة ما يناسبها من حلول. وإذا وجد شيء منها فلا إجماع حوله. لذلك يحصل التعاطي معها بالترقيع والترحيل. مع ذلك تبقى طروحات أوباما متقدمة ويبقى فوزه أفضل ما جاءت به أميركا لنفسها ونسبياً للعالم، في 2012.