سعياً لتبرير المجازر المرتكبة بحق المتجمهرين من أمام نوافذ الأفران الخبز، تتذرع أذرع النظام الإعلامية والايديولوجية، بسوق مبررات واهية ينطوي إطارها العام المضي على سياسة نكران الواقع بهدف دق إسفين بين الثوار والمدنيين وسحق الحاضنة الاجتماعية.
فهؤلاء يتعاطون مع «مجازر الخبز»، والتي وصلت حدتها مع مجزرة حلفايا، بنوع من التضليل المقصود. ويتضح ذلك، حين يرجعون مسببات الجريمة إلى «سوء تقدير الطيار في لحظة تصويب الهدف المقصود»، أو إلى «أخطاء تقنية متعلقة بتركيبة الطائرات الحربية المفتقرة إلى الأدوات اللازمة من المناظير الليلية وكاميرات المراقبة، ما يقع الطيار في أخطاء خارجة عن إرادته».
كما أنهم يدفعون بالحجة التي يتسلحون بها دوماً في وجه بيئات الثورة والتي تقول إن «العناصر المسلحة تتخذ من تجمعات مدنية بؤراً لها، بغية شن هجمات مضادة ضد قوات النظام». وعليه، «يحق للطائرات العسكرية رد الصاع بالصاعين في مهمة دفاعية بحسب ما يقتضي الواجب العسكري».
ومن الواضح أن هذه التفسيرات البعيدة عن المنطق، لا تستند إلى مواقف دفاعية بقدر ما هي تغطية مشوشة على ما يتبعه النظام من أساليب مدروسة وممنهجة طبخت معالمها في كنف الأروقة الأمنية والعسكرية لتحقيق مآرب إستراتيجية تخدم نهجه العنفي في مواجهة الثورة. وبحسب ما يذهب المراقبون، تعتبر المخابز أفضل مكان لتنفيذ العمليات المخططة، كونها أمكنة يتزاحم فيها رجال ونساء وأطفال.
القاعدة الشعبية
ولعل المتابع لسلسلة الهجمات المرتكبة بحق التجمعات البشرية المحاطة بالأفران يستشف ما يرمي إليه النظام من غايات وأهداف سياسية وعسكرية.
فهذه الهجمات بدأت في أحياء حلب كبستان القصر وهلك وهنانو، وامتدت إلى حلفايا بريف حماة، ومن ثم انتقلت إلى البصيرة في ريف دير الزور، الأمر الذي يبرهن، بحسب المحللين، أن النظام «لا يستهدف الأفران هباء، بل يقوم بها عن سابق التخطيط والإصرار لأجل ضرب القاعدة الشعبية التي يتكئ عليها الجيش الحر، لا سيما أن تلك المجازر تتزامن مع دخول الجيش الحر تلك الأحياء والبلدات».
وتفيد المؤشرات الأولية أن أهم المكاسب التي يجنيها النظام في ضرب الأفران تكمن في «قطع الحبل السري بين البيئة الثورية والثوار، إذ يبعث بهذه الطريقة رسائل مبطنة للحاضنة الاجتماعية توحي فيها أن القوات المعارضة تشبه سرطاناً عصف بحياتهم المعيشية، تتعرض البيئة الحاضنة له لهذا السبب إلى شتى أنواع العقاب الجماعي».
خطوات ونقمة
ويرى بعض المحللين أن ارتكاب المجازر بحق مدنيين أمام نوافذ المخابز «تعد خطوات استباقية تحذر فيها المدن والبلدات التي تفكر جدياً في احتضان الجيش الحر، كما أنها تهدد الجيش الحر نفسه بأن لا يجازف أكثر صوب معاقل إستراتيجية تربط خطاً ممتداً بين حماة وحمص وحلب».
وهذا السيناريو بالذات تجرعت بلدة حلفايا معاناته بعد انقضاء أسبوع واحد من تمركز الجيش الحر فيها. فهذه البلدة، كانت محاصرة من قبل الكتائب الأمنية والميليشيات العسكرية منذ شهور عديدة، لكنها كانت تدير شؤونها الخدمية ذاتياً دون مضايقات أمنية ممنهجة.
وما المجزرة المروعة التي راحت ضحاياها عشرات القتلى، إلا مؤشر على نية النظام في إظهار الجيش الحر على أنه عاجز عن إدارة المناطق التي خرجت من قبضته، بهدف بث النقمة في نفوس المدنيين على الجيش الحر الذي رفع راية الدفاع عنهم.
وربما قد يحقق النظام بعضاً من مبتغاه استناداً على هذا الراهن، لكن لا يخفي المحللون أن هذا النهج العنفي قد يرتد عليه عكسياً، خاصة أن قتل الأبرياء بهذه الطريقة سيوثق عرى الوشائج بين قوات المعارضة وبيئات الثورة. وبالتالي قد يجد الأهالي مسوغات راسخة في احتضان الجيش الحر وتشجيعه على القيام بالعمليات الانتقامية لرد الاعتبار على ما تقوم به قوات النظام من جرائم متتالية.
