لا تلوح في الأفق أية بوادر لانتهاء الأزمة العراقية المستمرة، والتي تتوالد بكثرة، فتنتج أزمات إثر أزمات تتراكم دون حلول لأي منها. وإن وجدت، فهي حلول مبتورة أو «ترقيعية» سرعان ما تنهار، كونها مبنية على مساومات ومصالح شخصية أو فئوية آنية لا علاقة لها بالوطن أو المواطن العراقي، الذي يعيش أسوأ حالاته منذ زهاء عشرة أعوام، كما كان قبلها أيضاً.
وبعد أن «نعى» ائتلاف دولة القانون «التحالف الكردي الشيعي»، الذي اعتبره ولد في مرحلة سابقة وانتفت الحاجة إليه، في محاولة منه لشق وحدة قائمة العراقية وكسب ود العرب السنّة، وخاصة في المناطق المختلف عليها، شعر بنوع من القوة، إلى الحد الذي جعله يحرك الجيش إلى تلك المناطق، ما أدخله في خلاف مباشر مع الرئيس جلال طالباني ومع المكون السني، الذي أراد كسب وده، حيث رأى كل من طالباني ورئيس مجلس النواب أسامة النجيفي، أن تحريك القطعات العسكرية يجب ألا يتم إلا بموافقة طالباني، وبقرار من البرلمان، فيما يريد رئيس الوزراء نوري المالكي التفرد بكل القرارات.
تأديب مكون
ويرى العديد من المراقبين السياسيين أن رئيس الوزراء العراقي أراد التملص من هذه الأزمة، ومن الاستنكار الواسع الذي واجهه حديثه عن نزاع قومي «عربي كردي»، بالعودة إلى التفكير في «تأديب المكون السني»، وإلى المربع الطائفي، من خلال إثارة أزمة وزير المالية رافع العيساوي.
ولو لم تكن قضية العيساوي مقترنة بغزوة منسقة لمكاتبه ولوزارة المالية، لما أثارت هذه الضجة الكبيرة، إلا أن المالكي أوجد المبرر، وهو أن المنفذين «تمادوا، ولم يلتزموا بالأوامر التي صدرت من القضاء»، فقرر معاقبتهم. وكأن المسألة مداهمة بيت مواطن عادي، وليس هجوماً على وزير لوزارة سيادية، فيما لا يزال مسؤول وعناصر حماية العيساوي رهن الاعتقال، ما جعل الأخير يؤكد خلال تظاهرات «أربعاء الكرامة» في الأنبار أن أفراد حمايته «مخطوفون من قبل ميليشيات وليسوا معتقلين».
اتفاق أربيل
والآن، يعود الحديث عن اتفاق بين حكومة المالكي والجانب الكردي، وهو ليس جديداً، بل الاتفاق نفسه الذي توصل إليه الطرفان ضمن «مبادرة النجيفي»، إلا أنه عندما وصل مرحلة التصديق رفض المالكي منه 11 نقطة من أصل 14 تم الاتفاق عليها، أي أنه لم يعترف حتى بوفده العسكري الفني المفاوض. ومن المنتظر أن يتم التوقيع على الاتفاق في أربيل غداً الأحد، لأن الجانب الكردي طلب أن يكون الاتفاق مكتوباً. وبالتأكيد، سيطلب الأكراد توقيع المالكي لأن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني لا يثق بوعود المالكي.
اتفاق للتهدئة
ويرى المراقبون أن المالكي يضع نفسه في مأزق جديد، لأنه يخسر المكون العربي «الشيعي والسني» في كركوك، وفي المناطق الأخرى المختلف عليها. وهو بتوقيعه على اتفاق رفضه قبل أسابيع قليلة، يعكس مدى تذبذبه وتقلبه. وفي كل الأحوال، فإن الاتفاق هو «العودة إلى ما قبل الأزمة الأخيرة مع الأكراد». أي أن المالكي لم يحقق من تلك الأزمة أي مكسب، وإنما زادت الثقة بأنه «لا كلمة له ولا عهد»، بحسب رأي بارزاني، ما يعني أن الاتفاق هو «للتهدئة» فقط، ولن يكون هناك اتفاق استراتيجي «كردي شيعي»، لأن أول من ألغى هذا الاتفاق هو المالكي نفسه، ومعه ائتلافه «دولة القانون».
انتفاضة الأنبار
وإذ يتزامن اتفاق التهدئة هذا مع انتفاضة الأنبار، فهو لن يكون في أي حال من الأحوال ضد العرب السنّة. وبينما ينتقد «دولة القانون» رفع علم كردستان في تظاهرات الأنبار، فإن هناك، رغم الخلاف الجغرافي السياسي، قواسم مشتركة، من بينها أن الغالبية العظمى من الأكراد هم من السنّة، فيما هناك قاسم أقوى، ومنها توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات وسحب قوات الجيش «ذات الأغلبية الشيعية» من المدن، وخاصة المحافظات السنية.