يتجه الوضع السياسي العراقي إلى مزيدٍ من الاحتقان، على خلفية اعتقال الحكومة حماية وزير المالية رافع العيساوي، حيث تظاهر عشرات الآلاف أمس في محافظة الأنبار ومدن أخرى في الشطر الغربية في جمعة أطلقوا عليها «العزة والكرامة»، منددين بسياسات رئيس الوزراء نوري المالكي ضد السنة، في حين شهدت الاحتجاجات مشاركة وفود كردية وتنظيم لجان أطلقت على نفسها «تنسيقيات الثورة»، فيما واصل المعتصمون لليوم السادس قطع الطريق الدولي الذي يصل العاصمة بغداد بالأردن وسوريا، ليرد المالكي بدعوة معارضيه إلى الحوار و«ترك أسلوب قطع الطرق والجعجعة بالحرب».
وطالب آلاف المتظاهرين، الذين تجمعوا منذ ساعات فجر أمس في منطقة البوفراج قرب مدينة الفلوجة، بإطلاق سراح المعتقلين الذين ألقي القبض عليهم «على أسس طائفية» ودعوا الى رحيل المالكي. وأغلق نحو 60 ألف شخص الطريق الرئيسي الذي يمر في محافظة الأنبار غرب العاصمة وأحرقوا العلم الإيراني ورددوا هتافات مثل «يا إيران برا برا.. بغداد تبقى حرة».
وأصدر القيمون على التظاهرة، والذين أطلقوا على انفسهم «اللجان التنسيقية للثورة»، وهي المرة الأولى التي يظهرون فيها بهذا المسمى في العراق، بياناً قالوا فيه إن «أبناء الشعب العراقي وحدة واحدة وقضيته واحدة ضد الاقصاء والتهميش ولا يحتاجون لمؤتمرات مصالحة يشرف عليها رئيس وزراء طائفي»، على حد وصفهم.
وذكر مصدر في محافظة الأنبار أن قوة من الجيش منعت قوافل مؤيدة للاعتصام أرادت دخول المحافظة عن طريق الثرثار. وأوضح أن «قوافل تمثل مؤيدين من شيوخ العشائر والوجهاء من سامراء وتكريت ونينوى حاولت الدخول إلى محافظة الأنبار، إلا أن قوة من الجيش منعتها من الدخول، ما اضطرها إلى الانتظار لساعات عديدة اضطرت معها الى العودة، فيما تمكن وفد من شيوخ ووجهاء محافظة البصرة من الوصول والانضمام إلى المعتصمين». وقال أحد منظمي الاعتصام إن «وفوداً من إقليم كردستان شاركت في الصلاة المركزية الموحدة وفي التظاهرات المشروعة».
هواجس أمنية
وانتشرت قوات الشرطة المحلية قرب المتظاهرين، لكن عمليات التفتيش والحماية تكفلت بها مجموعة أطلقوا على انفسهم «ثوار شباب الأنبار»، في حين لم تتدخل وحدات الجيش، رغم منعها وسائل الاعلام لعدة ساعات من الوصول الى مكان التظاهرة.من جانبه، قال مسؤول أمني رفيع المستوى، طلب عدم الكشف عن هويته: «اتخذنا إجراءات أمنية مشددة لحماية المتظاهرين».
وأضاف: «لدينا معلومات مؤكدة أن هناك مندسين يحاولون إثارة فتنة بين المتظاهرين والقوات الأمنية»، مشيراً الى أن «تنظيم القاعدة يحاول استغلال هذه الظروف من أجل إدخال أسلحة ومندسين الى داخل هذه المظاهرة للنيل من الوحدة الوطنية». كما خرجت تظاهرات أخرى ولكن بحشود أقل من تظاهرات الأنبار، في مدن تكريت وسامراء والموصل رفعت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام».
موقف المالكي
وبدوره، دعا المالكي المحتجين في محافظة الانبار الى «الحوار والابتعاد عن قطع الطرق والجعجعة بالحرب وتقسيم العراق للتعبير عن مطالبهم»، على حد تعبيره. وقال المالكي في كلمة، بمناسبة الذكرى الأولى لمغادرة آخر جندي أميركي العراق وأطلق عليه «يوم السيادة»: «نتحدث في ظل أجواء غير ايجابية وتحديات لاتزال تتنفس الماضي بآلامه وجراحاته».
وأضاف، في إشارة الى المحتجين في الأنبار: «الامم المتطلعة نحو السلام، لابد أن تعتمد على صيغ حضارية في التعبير، وليس من المقبول أن نعبر عنه بقطع الطرق وإثارة الفتن والطائفية والاقتتال والجعجعة بالحرب وتقسيم العراق». وفي مناسبة أخرى، دعا المالكي في كلمة خلال مؤتمر «المصالحة والسيادة الوطنية» الى الحوار. وقال: «علينا أن نتحاور ونتفق على إنهاء مشاكلنا، وأن يستمع بضعنا الى بعضنا الآخر».
وشدد على أنه «لا أحد يستطيع أن يجني من الحرب شيئا»، مشيراً إلى أن «من استفاد هم فقط أعداء العراق وأمراء الحرب وتجار السلاح، وضعفاء النفوس الذين باعوا الانسان والوطن واشتروا الهزيمة التي صنعت على يد العراقيين في يوم السيادة»، على حد وصفه. وحيا المالكي «الموقف الشجاع الذي وقفه العراقيون بوجه دعاة الفتنة حتى لا تعود، لأنها إن عادت ستحرق الأخضر واليابس»، على حد قوله.
«الائتلاف الوطني» يحذر من انتفاضة مليونية
أدان الائتلاف الوطني العراقي، الذي يتزعمه رئيس الحكومة السابق ابراهيم الجعفري، أمس ما وصفها بـ«التخرصات الطائفية التي انطلقت من هنا وهناك ومن أي موقع»، داعياً إلى «إطلاق سراح الأبرياء الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء العراقيين، واحترام استقلالية القضاء، وإبعاده عن ضغوط سياسية تستهدف التأثير على قراراته».
وقال الائتلاف في بيان إن «العراق يشهد موجة من التراجع الواضح في سلم الأولويات التي وضعتها الحكومة والقادة السياسيون العراقيون في مواجهة مجمل التحديات التي يعيشها والمحيط العربي ودول الجوار». وأردف: «وإزاء ذلك يشعر الائتلاف الوطني العراقي أن الأداء السياسي للقوى التي تشكل الحكومة لم يرتق إلى المستوى الذي ينسجم والاستجابة الموضوعية للتحدي والقيام بالمسؤوليات التاريخية الراهنة».
وأضاف ان «الأزمة الراهنة بحاجة إلى شراكة حقيقية في تحمل المسؤولية وتهدئة من كل الأطراف التي تشكل عنوان الأزمة الحالية»، مستطردا: «يدعو الائتلاف إلى إعادة النظرة الحقيقية لموضوعة الخدمات الغائبة، تحاشياً لحصول انتفاضة جماهيرية مليونية قد تجتاح جميع محافظات العراق، كما اجتاحت الأمطار الأحياء والمدن والشوارع، بسبب سوء الخدمات».
ودعا الائتلاف، المكون في غالبيته من الشيعة، العراقيين إلى «مواجهة التطورات العنفية وتصاعد وتيرة القسوة في طرح الشعارات المرفقة والمطالب المشخصنة، بالمزيد من الوعي الوطني والتماسك الشعبي والتلاحم الاجتماعي لتفويت الفرصة على المتربصين بالعراق وأهله ونظامه الديمقراطي».
وأكد في الوقت ذاته أن «الوحدة الوطنية مطلب مصيري مبني على قاعدة أن الشعب العراقي وحدة اجتماعية وسياسية وبشرية واحدة». وشدد الائتلاف الوطني على أن «الشراكة الوطنية لم تعد مطلب تشكيل حكومة قدر ما هي خيار استراتيجي يتماسك الجميع تحت رايته درءاً للأخطار وحماية البلد من السقوط في مستنقع الفتنة الطائفية».
