لم يترك التدهور الذي طال الاقتصاد السوري سوى خيارات قليلة للشباب الذين يحاولون دعم أسرهم من دون الاضطرار لحمل السلاح. ويرى الكثيرون أن الهروب إلى تركيا للحصول على عمل بصورة غير قانونية يبقى الخيار الوحيد، ولكنه خيار قد يدفعون ثمنه.
ويجلس محمد أمام آلة خياطة في مصنع ملابس يكاد يكون مظلماً في شارع كئيب من شوارع اسطنبول، أكبر المدن التركية. ومحمد، مواطن سوري لا يملك أي حق قانوني للعمل في تركيا.
وبالتالي، فهو يخشى أن يتم إلقاء القبض عليه من قبل الشرطة وترحيله إلى مخيم اللاجئين. وهو ما علق عليه بقوله: لهذا السبب أعمل سراً. فأنا لا أستطيع العيش في المخيم لأن سكانه مثل السجناء، كما أنني أحتاج للعمل لكسب المال.
ويضيف: في سوريا لم تكن هناك فرص للعمل وكان المكان يتعرض إلى القصف، ما اضطرني للمغادرة. ويكسب محمد الآن ما يكفي من المال لإرسال حوالي 360 دولاراً في الشهر لأسرته الموجودة بالقرب من بلدة إدلب في شمال سوريا. وتستضيف تركيا أكثر من 150 ألف سوري في 14 مخيماً على طول حدودها الجنوبية.
ومن خلال الهلال الأحمر التركي ومديرية إدارة الكوارث والطوارئ التابعة لرئاسة الوزراء، يتم تزويد اللاجئين بالطعام والمأوى والتعليم والخدمات الصحية الأساسية في ظروف تعتبر بشكل عام أعلى من المتوسط السائد في مخيمات اللاجئين الأخرى.
ومع ذلك، فإن العديد من هؤلاء الذين فروا من سوريا يختارون العيش خارج المخيمات. وتشير التقديرات الحكومية إلى أن عددهم يصل إلى 60 ألف شخص، في حين تقدرهم المنظمات غير الحكومية بحوالي 100 ألف.
الوضع القانوني
وطبقاً للقواعد التي وضعتها الحكومة التركية العام الماضي، فإنه يتم منح السوريين الذين يدخلون إلى تركيا من دون جوازات سفر وضع «لجوء مؤقت». ولكنهم مجبرون على الانضمام إلى المخيمات، وهو ما يفضل العديد منهم تجنبه عن طريق تهريب أنفسهم عبر الحدود التي يبلغ طولها 822 كيلومتراً.
كما يدخل البعض الآخر بصورة قانونية بجواز سفر ولكنهم يمكثون فترة أطول من الثلاثة أشهر التي تمنح لهم بصورة تلقائية. وهذا حال محمد الذي قال: لقد انتهت الآن صلاحية تأشيرة دخولي. وإذا قامت الشرطة بتوقيفي، فإنهم سيقومون بإرسالي إلى أحد المخيمات»، مشيراً إلى أن الحصول على عمل غير رسمي «يشكل السبب الرئيسي لتجنبهم المخيمات.
أهداف للاستغلال
بدوره، يقول مؤيد، وهو شاب في العشرين من العمر من العاصمة السورية دمشق: إذا لم أعمل لن تأكل أسرتي. وكان مؤيد فر إلى إسطنبول منذ عام بعدما تم استدعاؤه للخدمة العسكرية. غير أن مؤيد يقول إن العديد من أصحاب العمل الأتراك ينظرون إلى العاملين السوريين غير القانونيين «كأهداف سهلة للاستغلال»
. فبعد العمل لمدة شهر، رفض مدير مؤيد أن يدفع له راتبه. ويبلغ شقيق مؤيد من العمر 17 عاماً، وهو ليس مؤهلاً بعد للعمل كخياط. ولكنه يعمل بدلاً من ذلك بقص الملابس وترتيب المصنع. وفي بعض الأيام يشتغل نوبات عمل لمدة 14 ساعة في اليوم، حيث يقول إنه يكون متعباً للغاية عندما يصل إلى البيت بحيث يتمكن من الوقوف بالكاد.
ولا يكسب شقيق مؤيد سوى 250 دولاراً في الشهر، أي أكثر بقليل فقط من نصف الحد الأدنى الرسمي للأجور البالغ 412 دولاراً، فيما تسبب وصول السوريين الباحثين عن عمل في خفض أجور أماكن العمل غير الرسمية.
