كان الخطاب الذي تلاه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، معترفاً بالخطأ بعد نكسة العام 1967، من أشهر خطاباته. واليوم، يشبه محللون كثر موقف وخطاب الرئيس المصري محمد مرسي الثلاثاء الماضي، عقب إقرار الدستور، بذلك الخطاب التاريخي لعبدالناصر، فكلاهما اعترف بالخطأ وتحمل مسؤوليته، مع فارق أن الأول اتخذ قراراً، رفضه الشعب، بالتنحي.

ووقف مُرسي طيلة الأيام الماضية أمام فوهة مدافع قوى المعارضة من الفصائل المدنية، لا يجد من يشد عضده ويقويه سوى أنصاره في التيار الإسلامي، حيث ظهرت أخطاء بالجملة في آليات إدارة المشهد السياسي خلال الشهور الستة الماضية، خاصة في ما يتعلق بعملية الاستفتاء على الدستور، فرّقت شمل المصريين وزادت من تناحر اللاعبين السياسيين، ما دفع مُرسي إلى أن يخرج على الأمة المصرية مقدمًا اعترافه بحدوث أخطاء، في خطاب حاز فيه الجانب العاطفي ما حاز من مساحة كبيرة.

والقارئ لما بين سطور الخطاب، يجد أن الرئيس المصري حاول مغازلة المعارضة حينما قال مرارًا وتكرارا: «نحن لا نريد أن نعود لعصر الرجل الواحد»، وعندما جدد دعواته إلى حوار وطني شامل من أجل الخروج من هذه المرحلة. لكن تلك المغازلة ظلت متجمدة في سطور بلا تحركات عملية أو قرارات أو تنازلات، دون حتى أن يلتفت مرسي لمطالب المعارضة، مكتفيًا بالتأكيد لمن صوّت بـ«لا» في الاستفتاء على كون ذلك «حقًا أصيلاً من حقوقه».

تشتت وحشد

وبدا مُرسي، الذي يدخل شهره السابع على عرش مصر، مشتتًا خلال الفترة الماضية أمام قوى المعارضة التي نجحت في أن تشكل جبهة وطنية للإنقاذ عملت على حشد واستقطاب المصريين ضده. فكان خطابه، الذي حاول فيه الالتفاف حول معارضيه، آلية لمغازلة الشارع والتقرب منه مرة ثانية، خاصة أن نتيجة الاستفتاء كانت «سلاحًا ذا حدين للقوى الإسلامية». فهي من ناحية تضمن تمرير الدستور بما يوافق أجنداتهم. ومن ناحية أخرى، تشكل خطرًا على واقع القوى الإسلامية ووضعهم بالشارع المصري خلال الفترة المقبلة وتهدد إمكانية تحقيقهم لنسبة الأغلبية في الانتخابات البرلمانية. ومن ثم، كان لزامًا على مُرسي أن يخرج بخطاب كان فيه الجانب العاطفي أكبر، على غرار خطابات الرئيس السابق حسني مبارك في نهاية عهده، للم حبات العقد التي انفرطت وهزّت عرش الإسلاميين بشكل عام.

رفض وغموض

بالمقابل، رفضت القوى المدنية خطاب مُرسي متحدثة عن «غموضه»، خاصة أنه لم يشمل قرارات بعينها تعزز صفوفهم، من منطلق كونه «رئيسًا لكل المصريين»، في وقت اعتبره آخرون أنه «من الطبيعي جداً عقب إقرار الدساتير أن تحدث تعديلات وزارية أو تغيير شامل في الحكومة، كما أن حكومة هشام قنديل بات تأثيرها ضعيفًا بالشارع ولابد من دعم صفوفها».

وأكدت مصادر في مؤسسة الرئاسة المصرية بقاء قنديل في منصبه، وأن التعديل الوزاري سوف يشمل عددًا من الوزراء الذين ثار الجدل حولهم خلال الفترة الأخيرة، كما يشمل الوزارات التي استقال وزراؤها مثل وزارة الاتصالات، مرجحة أن يكون التعديل «محدودًا وليس شاملاً كما يتوقّع البعض».

 

انقسام

 

استبقت القوى المدنية الجدل والقرارات الرسمية، وانقسمت بشأن شكل الوزارة الجديدة، وما إذا كان من الأفضل أن تكون توافقيه أم تكون جميعها من التيار الإسلامي صاحب الأغلبية، بقصد تحميل التيار المسؤولية كاملة عن كل الأحداث في مصر.

وما يحتسب للرئيس المصري محمد مرسي خلال خطابه، أنه حاول التنبيه غير مرة للوضع الاقتصادي المزري الذي تشهده مصر، وحاول طمأنة المصريين عند الحديث لما أكد أن التعديل الوزاري سببه الرئيسي هو «الأزمة الاقتصادية»، ما لفت نظر المصريين لكون مُرسي ليس بعيدًا عن الأزمة ويحاول بصور عملية التصدي لها.