لا يزال الأمن يمثل أبرز تحديات الدولة التونسية، بالرغم من النجاح الذي حققته ثورة «الياسمين» التي فجرها أهالي ولاية «محافظة» سيدي بوزيد حينما أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه أمام مقر المحافظة احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية في المدينة لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه لتتحول إلى ثورة شعبية انتهت بفرار الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 إلى المملكة السعودية وانهيار نظامه وحل حزبه (حزب التجمع الدستوري الديمقراطي) غير أن تداعيات الثورة لم يكن كلها إيجابية كما كان منتظراً إذ عانى التونسيون من عدم الاستقرار وانفلات أمني غير مسبوق سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى الحدود المشتركة مع دول الجوار وسط تراجع الأمن وعجز تام على تأمين الحدود.
ومثلما عجزت الحكومة التونسية في بسط الأمن داخل أرجاء البلاد وفي المحافظات عجزت أيضاً عن تأمين حدود البلاد من مهربي السلاح والمخدّرات والبضائع وبروز ظاهرة الجماعات المسلّحة على الحدود الغربية التي دخلت في مواجهات ومعارك مفتوحة مع قوات الحرس الوطني والجيش في وقت اتسعت دائرة الهجرة السرّية على السواحل نحو الجزر الايطالية مما جعل عدد المغامرين بركوب قوارب الموت يصل الى حوال ٥٠ ألف تونسي خلال العامين الأخيرين.
سبب الانفلات
ويرى مراقبون أن سبب الانفلات على الحدود يعود بالأساس إلى طبيعة النظام الأمني الذي كان سائدا قبل الثورة والذي كان يعتمد في جزء كبير منه على أنصار حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا نتيجة تغلغله في المناطق النائية والأرياف والقرى والجهات الحدودية منذ استقلال تونس العام 1956 حيث جعل منه الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة حزبا قويّا ومستعدا لحكم البلاد بعد أن قاد معركة التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي، وأصبح الولاء للوطن وللزعيم أن ينطلق من خصوصية الولاء للحزب الذي كان يحمل اسم الحزب الحر الدستوري عند تأسيسه في العام ١٩٢٠ على يد المصلح الوطني عبد العزيز الثعالبي ثم الحزب الحر الدستوري الجديد بعد إعادة بعثه في مارس ١٩٣٤على يد بورقيبة وعدد من المناضلين العائدين إلى البلاد بشهادات عليا من الجامعات الفرنسية.
وفي أوائل الستينيات حمل اسم الحزب الاشتراكي الدستوري بعد اعتماد التجربة الاشتراكية في البلاد، وفي العام ١٩٨٩ بات اسمه حزب التجمع الدستوري الديمقراطي ليكون جامعا لتيارات فكرية وإيديولوجية مختلفة.
شماتة التجمعيين
وطيلة عمر تونس المستقلة تحوّل الحزب الحاكم إلى قوة جماهيرية جعلت عدد أعضائه يصل إلى ثلاثة ملايين، في حين تجاوز عدد فروع الأحزاب في المناطق ستة آلاف فرع، تشرف على توزيع المساعدات للفقراء والأسر المحتاجة، وتقوم بمراقبة التحرّكات المريبة وتمارس عمليات التنسيق الأمني مع أجهزة وزارة الداخلية، وخاصة في المناطق الحدودية ذات المسالك الوعرة التي تعجز أجهزة الدولة عن مراقبتها، كما تتولى إعداد تقارير أسبوعية عن مجريات الاحداث في مناطقها، وتقوم بأعمال استخباراتية.