عندما تفاقمت الأزمة بين بغداد وأربيل، أظهر رئيس الوزراء نوري المالكي نفسه مدافعا عن «عروبة» المناطق المتنازع عليها، بهدف كسب ود المكون السنّي، الذي هو على تماس مع الأكراد في تلك المناطق، حتى إنه تحدث عن نزاع أو اقتتال عربي كردي. وتحقق له بالفعل بعض ما أراد، لكن سرعان ما تكشف أن الموضوع كله يتعلق بالتغطية على الفساد في صفقات الأسلحة، وفي ملفات أخرى سابقة. وعندما لم يحقق الغرض، وفشل في وضع حل للأزمة مع الأكراد، كان لا بد من صرف الأنظار إلى قضية أخرى باللعب على الوتر الطائفي. إلا أنه هذه المرة أساء الاختيار بشكل مثير كون طرف المشكلة هذه المرة وزير المالية رافع العيساوي المعروف باعتداله وشعبيته وحصوله على أعلى الأصوات في عموم محافظة الأنبار السنيّة خلال الانتخابات البرلمانية.

ويرى المراقبون السياسيون أن حادثة اعتقال مسؤول وعناصر من حماية وزير المالية العراقي لم تكن تستوجب أبدا مثل هذه الضجة الكبيرة التي أثيرت حولها، لو أنها جرت بشكل طبيعي. وليس الهدف منها إثارة أزمة جديدة، تضاف إلى سلسلة الأزمات التي اعتادت الحكومة على إثارتها منذ تشكيلها، واحدة اثر أخرى، إلى الحد الذي جعل العديد من المراقبين يطلقون على المالكي تسمية «صانع الأزمات»، من دون إيجاد حل لأية واحدة منها.

«غزوة المالية»

يرى المراقبون أن الهدف من «الغزو العسكري»، الذي تعرض له وزير المالية هو خلق أزمة جديدة، للتغطية على سلسلة الأزمات المتفاقمة، وأقربها أزمة إقرار موازنة 2013 والحسابات الختامية للموازنات السابقة، والتي تتزامن مع الأزمة بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان وفضيحة الانتهاكات في المعتقلات العراقية. وكل هذه، تضاف إلى الأزمة المستمرة المتعلقة بالإخفاق في إدارة الدولة وتفشي الفساد بشكل غير مسبوق، ولاسيما القضية المثارة حالياً بشأن صفقة الأسلحة الروسية، التي وصل التحقيق البرلماني فيها إلى إرسال جملة أسئلة إلى رئيس الوزراء العراقي للإجابة عليها، لورود اسمه واسم نجله أحمد في مجريات التحقيق، ما يتطلب هزة عنيفة توقف عمل البرلمان الذي لا يمتلك فيه ائتلاف المالكي نصاب التملص من التهم التي توجه إليه.

ضحية صعبة

وبحسب المراقبين، فإن اختيار العيساوي «كأضحية» في الأزمة الجديدة، سببه الشعبية الواسعة التي يتمتع بها، إضافة إلى ما عرف عنه من سلوك هادئ وعدم مشاركته في المناكفات السياسية والاحترام الذي يحظى به حتى من القوى المناهضة للعملية السياسية لدوره في معارك الفلوجة العام 2004 عندما كان مديرا لمستشفى الفلوجة. وكذلك احترام الجانب الأميركي كونه من الشخصيات المعتدلة. وأخيراً، كونه مشاركاً مع الجانب الأميركي، كوزير مالية، في تنفيذ اتفاق التعاون الاستراتيجي طويل الأجل، وهذا ما دفع الرئيس الأميركي باراك أوباما، للاتصال به، وليس برئيس الوزراء، لمعرفة ما حصل.

ولكن أحداً لا يعلم بالدقة خلفية ما حصل. فالحكومة تقول إنها أصدرت مذكرات اعتقال بحق ثمانية من حماية العيساوي. إلا أن الاعتقال شمل معظم فوج حماية الوزير والوزارة، وحتى العديد من الموظفين. ثم قالت الحكومة إنها أطلقت المعتقلين باستثناء عشرة «وليس ثمانية». ومهما كان العدد، فإنه يشير إلى عدم وجود قضاء حقيقي، بل «ميليشيات» تقوم بالاعتقالات، كما وصفها وزير المالية، وكما وصفتها المرجعية الدينية في النجف.

واستنكر المالكي أن يطلق وزير في الحكومة تسمية «ميليشيات» على القوات الأمنية «المضحية». ولكنه على ما يبدو لم يستمع إلى رأي المرجعية، الذي جاء على لسان أحمد الصافي، ممثل المرجع الديني البارز علي السيستاني، الذي وصف القوات الأمنية بـ«الهجينة»، كونها تضم الكثير من الضباط الكبار غير المؤهلين الذين منحوا رتباً عسكرية لمجرد كونهم غادروا البلاد في عهد النظام السابق، وليست لهم أية دراية بالشؤون العسكرية والأمنية.

سفن المالكي

ويقول نواب ومراقبون سياسيون إن المالكي يحرق سفنه باختلاق الأزمات الواحدة تلو الأخرى، ولا يجد مخرجا من الوضع. وبدلاً من الحصول على مكاسب من خلال الأزمات، أخذ يفقد حلفاءه الواحد تلو الآخر، وهو ما عبر عنه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بقوله إن «الربيع العراقي آت لكشف المفسدين»، مؤكداً أن المالكي «يستخدم قوات عمليات دجلة كضغوط من أجل نسيان ملفات الفساد والهفوات العظيمة».