باستثناء غياب عبارات الترحيب بـ«الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى» التي كانت تصادف زائر العاصمة الليبية طرابلس عبر مطارها الدولي، ليس ثمة الكثير من التغيير. ورغم جهود الحكام الجدد لطمس اللون الأخضر الذي طالما ميز فترة حكم معمر القذافي إلا أن هذا اللون لا يزال حاضراً، ليس كجزء من علم البلاد الجديد فقط وإنما في اللباس العسكري الحاضر بقوة والذي يميز عناصر المليشيات التي لا تزال تحكم البلاد، بدءا من معابرها الحدودية وصولاً لأدق التفاصيل.

سيبقى العام 2011 تاريخاً فاصلاً في حياة الليبيين. ففيه استطاع معارضو القذافي، بمساعدة من حلف الناتو، إسقاط العقيد وجماهيريته بعد ثمانية أشهر من القتال الذي خلف الكثير من الجراح. ثورة أنهت ديكتاتورية مزمنة، لكن البديل لا يزال غامضاً.

اتهامات لطرفين

وتتهم منظمات دولية الطرفين بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات كبيرة، يبدو أنها لا تزال مستمرة، مع عمليات خطف وقتل لا تزال منتشرة. وجزء كبير ممن تشملهم هذه الانتهاكات هم من الليبيين ذوي البشرة السوداء من بلدة تاورغاء، والذين يتهمون بمساندة القذافي لوأد الانتفاضة ضده بأبشع الأساليب.

زيارة ليبيا بعد أكثر من عام على سقوط نظام العقيد بهدف إنجاز تحقيق صحافي عن أوضاع التاورغيين وحقيقة الادعاءات بحقهم بدت محفوفة بخطر الخطف أو الاعتقال من قبل الميليشيات المسلحة بطريقة شبيهة لما كنت تعرضت له خلال تغطيتي أخبار الانتفاضة الليبية في أيامها الأولى على يد كتائب القذافي.

مخيم جنزور

ليس بعيداً عن مركز «خلة الفرجان»، الواقع على مسافة 25 كيلومتراً غربي طرابلس، يقع مخيم «جنزور» للاجئين التاورغيين والذي اضطر سكانه لمغادرة بلدتهم قرب مصراتة خوفاً من انتقام أهلها لاتهامهم بمساندة نظام القذافي واغتصاب أبنائهم لنساء المدينة.

ومع طلب الإذن لدخول المخيم من الحكومة الليبية عدة مرات دون جدوى، بدعوى أنه يقع ضمن حرم قاعدة بحرية عسكرية مهجورة منذ زمن طويل، أمكن لاحقاً الدخول بطريقة غير شرعية عبر الشخص المنتدب من قبل سكان المخيم للحديث باسمهم وهو علي أحمد.

كافة سكان المخيم من الليبيين ذوي البشرة السوداء، وهم أحفاد عبيد سابقين تحرروا قبل بضعة عقود. ويعتقد علي أن الثورة التي أطاحت بالقذافي «أعادت إحياء جذور التمييز العنصري ضدهم». وينكر أن يكون أبناء بلدته اغتصبوا نساء مصراتة حين دخلوا بعض مناطق المدينة مع كتيبة «خميس».

لا يخفي علي نقمته على الحكام الجدد قائلاً: «إن كان ثمة متورطين في هذا الأمر فليعاقبوا ضمن القانون إن كانت هذه ثورة حرية وعدالة»، ومحذراً من أن استمرار الوضع سيدفعهم للجوء للمحكمة الجنائية الدولية لوقف هذه الانتهاكات. وبالفعل تم بحث هذا التوجه في مؤتمر خصص لهذه القضية عقده التاورغيون نهاية نوفمبر الماضي.

يدرك أهل تاورغاء أن قضيتهم باتت تحت انظار المحكمة الجنائية الدولية، ويعولون على تقرير المدعية العامة فاتو بن سودا الذي قالت فيه إن «الطبيعة المتفشية والمنهجية للانتهاكات التي يتعرض لها سكان تاورغاء تشير لاحتمال وقوع جرائم ضد الإنسانية».

«فندق جنات»

ويستطيع زائر معرض حسن الجابر في شارع طرابلس وسط مصراتة أن يشاهد عينات من الاسلحة التي استخدمت من قبل كتائب القذافي لضرب المقاتلين في المدينة بما فيها القنابل العنقودية وصواريخ «غراد» وذلك خلال حصارها الذي بدءا مطلع مارس 2011 وأدى لمقتل نحو ألف ومائتي شخص.

لكن، وربما الاخطر من ذلك، تلك الادعاءات بأن قوات القذافي التي تحصنت إلى الشرق في بلدة تاورغاء، استخدمت الاغتصاب كسلاح لإرهاب السكان.

ويؤكد خالد بشار، احد الناشطين في مجال حقوق الإنسان، أن ثمة انتهاكات كبيرة ترتكبها مليشيات مصراتة باسم الثورة بسبب هذه الادعاءات. رافقني الشاب سراً لزيارة مقبرة مخصصة، بحسب المعلن، لدفن من قضى وهو يقاتل تحت راية القذافي وتركت جثته في العراء.

يقول خالد إن «كثراً ممن يرقدون في هذه المقبرة قتلوا بعد انتهاء الثورة، منهم من أردي بالرصاص بعد إلقاء القبض عليهم أحياء خلال المعارك، ومنهم من لم يحتمل التعذيب الذي تعرض له على يد ميليشيات مصراتة».

ويتابع خالد أن المقبرة لا تزال تتلقى المزيد من القتلى رغم مرور نحو عام على انتهاء الثورة، متسائلا وهو يتجول بين القبور التي تمتد بلا أسماء: «كيف لأهل من دفن هنا أن يعرفوا أن ابنهم مات وليس مفقوداً في أحد سجون الميليشيات المسلحة؟». ويطلق أهل مصراتة على هذه المقبرة التي تضم رفات اكثر من ستمائة وخمسين ليبياً اسم «فندق جنات»، ويعتقد على نطاق واسع أن جزءاً كبيراً ممن يرقد فيها هم من أبناء بلدة تاورغاء على خلفية اتهامهم بالاغتصاب.

غزوة تاورغاء

وبحلول منتصف اغسطس العام الماضي، استطاعت مليشيات مصراتة هزيمة قوات القذافي في تاورغاء، حيث تم تدمير وإحراق الكثير من منازل البلدة ونهبها بشكل كامل.

قمت بزيارة ما تبقى من البلدة برفقة مقاتلين سابقين ممن دخلوها في ذاك اليوم، وأكدوا انهم وجدوها «خاوية على عروشها»، وبأن سكانها البالغ تعدادهم نحو خمسة وثلاثين ألفاً هجروها قبل وصولهم «لمعرفتهم بما ارتكبت يداهم».

وبمساعدة احد الإعلاميين المحليين، أتيح لي زيارة أحد سجون المدينة ومقابلة نائب قائد ما يعرف بـ«جحفل متطوعي تاورغاء» ميلاد الاشيكح، الذي انكر معرفته بأي حالات اغتصاب ارتكبت من قبل متطوعي تاورغاء، قائلا انه لم يسمع بها إلا بعد اعتقاله إثر السيطرة على تاورغاء.

ويخضع السجن لسلطات رئيس امن الجيش الوطني إبراهيم بيت المال، حيث يقبع فيه الكثير من شبان تاورغاء، حيث اكد بعد سؤاله عن حقيقة ما يثار بشأن انتهاكات يتعرضون لها في سجون مصراتة أن «ثمة اخطاء فردية وقعت عقب سقوط النظام انتقاماً»، وبأن «الانتهاكات حدثت في بعض سجون كتائب الثوار وليس في السجون الرسمية».

«خلة الفرجان»

وفي الثالث و العشرين من اغسطس العام الماضي، دخلت معركة طرابلس مرحلتها النهائية بعد سيطرة الثوار على مقر إقامة القذافي في باب العزيزية، إحدى آخر الانتهاكات التي ارتكبت علي يد كتائب القذافي وقعت خلف مقر قيادة كتيبة «خميس»، في ذات المكان الذي كنت اعتقلت وعذبت فيه.

كان خميس القذافي لا يزال في مقره على بعد مئات الامتار، على ما اكد أفراد كتيبته لاحقاً، حين تعرض نحو مائة وخمسين سجيناً لعملية إعدام جماعي بدم بارد من قبل رجاله بإلقاء القنابل وفتح النار عليهم في مهجع وسط مركز اعتقال «خلة الفرجان»، فيما اسعف الحظ أكثر من خمسين شخصاً منهم فاستطاعوا النجاة هرباً. تكرار الانتهاكات

 

ما كان يجري في مركز «خلة الفرجان» خلال الانتفاضة، ليس حادثاً منعزلاً. إذ لطالما كان التعذيب وقتل المعتقلين ممارسة شائعة طيلة فترة حكم معمر القذافي في أماكن سرية شبيهة. لكن الطامة الكبرى أنه بات يتكرر اليوم وعلى نطاق واسع في طول البلاد وعرضها، وخصوصاً ضد أبناء تاورغاء الذين ينتشرون في مخيمات اقيمت على عجل في طرابلس وبنغازي.

هذه الحقائق تطرح مخاوف جدية بشأن إمكانية التصالح مع الماضي. فالعدالة مفتاح المصالحة، والمصالحة بوابة المستقبل التي لا تزال مغلقة حتى إشعار آخر على ما يبدو.