لا شك في أن مجريات الأحداث في تونس ومصر من بعد ثورة «الياسمين» وثورة 25 يناير على التوالي لم تكن في مستوى طموح وآمال الشعبين. ففي حين تشهد تونس حالة من عدم الاستقرار السياسي والانفلات الأمني وتراجع في مؤشرات الاقتصاد، يتكرر المشهد ذاته في مصر، حيث لا يكاد يمر أسبوع واحد لا تندلع فيه الاحتجاجات هنا أو هناك في كلا البلدين، رغم التباين الواضح في نظام الحكم بينهما. ففي حين نجد ما اصطلح عليه بالنظام «التوافقي» يجمع بين ائتلاف ثلاثي في تونس، يبقى النظام الرئاسي «الفردي» سيد الحكم في مصر. غير أن مراقبين يؤكدون فشل النظامين في احتواء هموم المواطن التونسي أو المصري ودفع عجلة التطور نحو الأمام.

وأفرزت الاحتجاجات الأخيرة مطالب خاصة بضرورة إشراك النخبة السياسية في اتخاذ القرار، وعدم إقصاء المعارضة والقوى ذات الحضور في المشهد السياسي المصري من مراكز اتخاذ القرارات بصفة عامة، في محاولة لإحداث نوع من «التوافق» من أجل تجاوز الأزمات التي يعج بها المشهد السياسي. إلا أن الرسائل التي أفرزتها التجربة التونسية عقب مرور عامين على ثورة «الياسمين»، أكدت للمصريين أون «التوافق» ليس نهاية المطاف، وليس حلاً للمشكلات التي تواجهها مصر الآن، حيث إن حسم صراع الإسلاميين والتيار المدني لن يكون نهاية لأزمات المشهد السياسي.

ترويكا تونس

والمُحلل للمشهد التونسي، يجد أن هناك ترويكا حاكمة من أضلاع ثلاثة، الأول هو الرئيس منصف المرزوقي، الذي ينتمي لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وهو حزب ذو مرجعية يسارية قومية، إضافة إلى رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، وهو رئيس حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، ذو المرجعية الاشتراكية الديمقراطية، فضلاً عن رئيس الحكومة حمادي الجبالي، الذي ينتمي للتيار الإسلامي ممثلاً في حزب النهضة. ورغم تلك التوافقية وقيام ثلاثة من المرجعيات بإدارة تونس في تلك المرحلة، وهي الترويكا التي يغبط المصريون نظراءهم التونسيين عليها، إلا أن ذلك لم يمنع المشكلات، كما لم يمنع الغضب الشعبي الذي راح يتفاقم في تونس أكثر فأكثر.

وظهرت أخطاء الترويكا الحاكمة في تونس مع فشل نظرية «التوافق» في إدارة الدولة من خلال هتافات التونسيين ضد رئيس الدولة والمسؤولين من مختلف المرجعيات، سواء رئيس الحكومة أو المجلس التأسيسي. وهي الهتافات التي ظهرت بقوة إبان احتفال الجانب التونسي بالذكرى الثانية لثورة الياسمين، والاشتباكات التي حدثت قبل أيام، وتدخلت قوات الأمن لحفظ الهدوء وسط مطالب بسقوط النظام ورحيله، متهمين إياه بأنه فشل في احتواء أزمات التونسيين وإيجاد حلول عملية لها، وهو الأمر الذي برره المرزوقي بضعف الموارد وكثرة المشكلات.

مشكلات واحدة

وعليه، فإن مشكلات التونسيين والمصريين واحدة، رغم أن الفريق الأول يحكمه نظام توافقي، والثاني نظام فردي من خلال سيطرة فصيل واحد على زمام ومجريات الأمور. ومن هنا، فإن الرسائل التي بعث بها التونسيون لمصر أن «التوافقية ليست حلاً».

امتلاك الدولة

ويرى الناشط السياسي والقيادي في حزب الوفد، طارق تهامي، في تصريحات لـ«البيان» أن هناك اختلافاً جذرياً بين من يريد أن يدير الدولة ويسير شؤون البلد بأكملها والتصدي لمشكلات المواطنين المصريين اليومية ومعالجتها ومن يريد «امتلاك الدولة». ويضيف: «بين هذا وذاك فروقات واضحة المعالم، وردود أفعال مختلفة بالشارع إزاء سياسة كل منهما، فالشارع يدعم من يريد إدارة الدولة بآلية تحقق طموحاته وتحل مشكلاته، فيما يرفض من يحاول امتلاكها والسيطرة عليها»، مشيراً إلى أن إخوان مصر «لا يهدفون للتوافق، لكنهم يحاولون السيطرة على مفاصل الدولة، وتحقيق حلمهم في التمكين، فهم يريدون امتلاك الدولة، وليس تسيير شؤونها، ومن ثم فإن التوافق لن يحدث في الأساس».

 

صدام

يؤكد مراقبون أن الصدام بين القوى المدنية والإسلامية والسعي الدائم نحو اعتلاء سدة المسؤولية لن يأتي في صالح الشارع الذي لا تكمن حالة غضبه في من يعتلون سدة الحكم بنظام فردي أو توافقي من خلال ترويكا حاكمة أو أكثر من جهة مشاركة في الحكم، ولكن غضبه الرئيسي الذي يوجه كسيف على رقاب الأنظمة، يأتي في الأساس من تفاقم إشكاليات الحياة اليومية، وخاصة الحالة الاقتصادية منها التي تقف عائقاً أمام النظام المصري الفردي، والنظام التونسي التوافقي.