لم يكن إدراج تنظيم جبهة النصرة السلفي في اللائحة الأميركية للإرهاب حدثاً اعتياديا يمر سهواً دون التوقف عنده مطولاً في مجتمع الثورة، إذ لقي هذا القرار اهتماماً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي بين دعوات تندد بالقرار، ورسائل ترحب به، فضلاً عن خروج تداعيات القرار من حيز الشبكة العنكبوتية التصريحات الإعلامية الصادرة من مختلف مشارب المعارضة السورية، وإن طغت على هذه التصريحات وجهة النظر المنددة بالقرار كون الائتلاف الوطني المولود حديثاً مع شريكه المجلس الوطني السوري سبق أن أدانوا قرار إدراج التنظيم السلفي الجهادي في اللائحة الإرهابية ما شكل علامات استفهام وحيرة لدى المراقبين.
صفقة سرية
ودعا معاذ الخطيب الذي يقود الائتلاف الوطني قبل ايام، أمام الحضور في مؤتمر أصدقاء سوريا بنسخته الرابعة في مراكش، الولايات المتحدة إلى العدول عن قرارها، معتبراً أن هذا التنظيم كما غيره من التشكيلات الإسلامية، يقاتل من أجل سقوط النظام، ولا ضير أن يتحرك وفق العقيدة الجهادية لمواجهة النظام القمعي.
وهذا التوجه يتقاطع مع التصريحات المشابهة التي خرجت من معسكر جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الليبرالية المحافظة التي تعمل في فلك المجلس الوطني المعارض. واستشف بعض المحللين من وراء هذه المواقف الدفاعية المستميتة عن جبهة النصرة، وجود صفقة سرية، وإن مؤقتة، أبرمت بين الجبهة والائتلاف الوطني الذي حظي مؤخراً بشرعية 120 دولة في مؤتمر مراكش.
ويقول المراقبون إن مفاد هذا التوافق الهلامي، ينحصر في أن يحمل الائتلاف على عاتقه في الأروقة الدبلوماسية الدولية مهمة الدفاع عن شرعية جبهة النصرة على الأراضي السورية، مقابل مواصلة جبهة النصرة التي تنشط في حلب ودمشق القتال ضد قوات الأسد، سيما أن هذا التنظيم بشهادة معظم مقاتلي الجيش الحر يفوق التشكيلات العسكرية المعارضة على الأرض خبرةً وقوةً ودعماً، وكبد أجهزة السلطة ومؤسساتها أضراراً فادحة عبر هجمات شرسة على معاقل قوات النظام تارة، وتبني نهج العمليات التفجيرية الفاعلة تارة أخرى.
مصالح استراتيجية
وقد يفهم مغزى دفاع الائتلاف وتشكيلات المعارضة الأخرى عن «النصرة» بشكل واضح، بناء على القوة العسكرية الميدانية التي يتمتع بها التنظيم، وتقاطعها مع المصالح الاستراتيجية للمعارضة في إسقاط النظام، فالائتلاف يدرك جيداً أن مفعول هذا القرار سيؤثر سلباً على نفوس المقاتلين الأجانب الذين يحاربون في صفوف جبهة النصرة، وتالياً أن فرصة كبح جماح سطوة قوات الأسد ستتقلص فيما لو تقهقر عناصر الجبهة في كل من دمشق وحلب إلى الوراء، فهم دائماً يحتلون الصفوف الأمامية في المعارك المهمة، ويخرجون بنتائج ظافرة، وتوقيت هذا القرار جاء كمن يضع عصا في عجلة الانتصارات العسكرية.
وإن أضيف آثار هذا القرار إلى طلب واشنطن من الجيش الحر تطهير صفوفه من التنظيمات السلفية الجهادية كشرط أساسي لتزويده بالسلاح، ستغرق المعارضة وعلى رأسها الائتلاف الوطني في مستنقع يصعب الخروج منه.
حاضنة اجتماعية
ودون أن ننسى أن جبهة النصرة باتت تتمتع بالحاضنة الاجتماعية في بعض المناطق السورية، وغدت في نظر بعض الأطراف أنها جاءت إلى سورية لدوافع إنسانية صرفة، وما يملي عليها العقيدة الجهادية من نصرة المظلوم ضد الظالم.
والشعار الذي أطلق في الجمعة المنصرمة «لا إرهاب إلا إرهاب الأسد» دلالة على تبرئة الجبهة ومناصرتها ضد القرار الأميركي، بل تطور الأمر عند البعض لتشجب الولايات المتحدة وتتهمها براعي الإرهاب الأول في العالم، وكأن لسان حالهم يقول تخاذل الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية في نصرة الشعب السوري في حين انبرت جبهة النصرة للدفاع عن المنكوبين في أحلك الظروف.
ترحيب علماني
وفي المقابل، رحبت الأوساط العلمانية والمدنية والأقليات من داخل المجتمع الثوري بالقرار، واعتبروه بمثابة خطوة صحيحة لإعادة الأمور إلى نصابها، ويسوق هذا التيار حججه أن النصرة وأذيالها المتطرفة يشكلون قطباً مضاداً للثورة، فهي تنظيم غريب عن المجتمع السوري، ويغذيها فكر طائفي مقيت، حيث أجرمت بحق المدنيين على خلفية العمليات التفجيرية، ولم تتردد في تكفير كل من هو يخالفه عقيدةً ومذهباً.
كما يبرر هذا التيار أن النصرة قد تضع يدها بيد التنظيمات السلفية والإخوان المسلمين بدرجة أقل، في إعلان دولة إسلامية مستقبلاً، وهذا الخيار ليس غريباً طالما سبق أن أعلنت تلك التنظيمات باستثناء الإخوان المسلمين إمارة إسلامية في حلب، دون إبداء احترام لنسيج مجتمع منحدر منه ستة وعشرون مذهباً وطائفة وقومية، وهي بهذا السياق تنتهك مفهوم الدولة الحديثة، وتضرب بحائط الحقوق السياسية للأقليات والمذاهب الدينية المتباينة.