قبل عامين وفي مثل هذا اليوم من العام 2012 شهدت مدينة سيدي بوزيد التونسية حادثة إقدام الشاب محمد البوعزيزي على إشعال النار في جسده أمام مقر بلدية المدينة احتجاجا على حجز السلطات المحلية لعربة مجرورة كان يستعملها في تجارته بين الشوارع والساحات، وفي اليوم التالي شهدت سيدي بوزيد أولى المسيرات الاحتجاجية التي سرعان ما تحوّلت الى حراك شعبي عام في البلاد انتهى بإسقاط نظام الرئيس السابق زين االعابدين بن علي يوم 14 يناير 2011

وبعد كل هذه الفترة بدأت وجهات نظر التونسيين حول تلك الحادثة تتباين، من مشيد بموقف البوعزيزي الذي أعطى إشارة الانطلاق للثورة وما رفعته من شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، وبين منتقد للأوضاع التي آلت اليها البلاد من تأزم اقتصادي وانقسام في المجتمع واستقطاب سياسي وإيديولوجي وتراجع لهيبة الدولة واتساع لدائرة العنف والانفلات الامني وبروز لظاهرة لم تكن موجودة في المجتمع التونسي ومن بينها التطرّف الديني والتكفير والاقصاء الممنهج.

أوضاع سيدي بوزيد

ومن يدخل مدينة سيدي بوزيد اليوم يكتشف أن أوضاعها ساءت على ما كانت عليه سابقا، حيث ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب، وانتشرت ظاهرة التشدّد الديني من خلال الحركات السلفية التي تحاول السيطرة على المدينة والتدخّل في الحريات الشخصية للمواطنين، وفي ظل الحكومة الحالية قام السلفيون بالهجوم على الفندق السياحي الوحيد بالمدينة، وعلى محلات بيع الخمور قاموا بتخريبها وتعنيف أصحابها، ومنعوا عددا من العروض الفنية.

وفي أكتوبر الماضي عرفت سيدي بوزيد مظاهرات حاشدة تدعو الى عزل الوالي المعيّن من قبل حركة النهضة، كما عرفت منطقة العمران من معتمدية منزل بوزيان التابعة للولاية اضطرابات أمنية وصلت الى حد التهديد بعملية انتحار جماعي، وقام نواب الولاية بالمجلس الوطني التأسيسي بإضراب جوع في بهو المجلس بالعاصمة.

وفي أوائل الشهر الحالي شهدت سيدي بوزيد إضرابا عاما ومسيرات حاشدة رفعت شعارات تنادي بإسقاط الحكومة وتعبّر عن دعمها للاتحاد العام التونسي للشغل بعد تعرّضه الى هجوم من قبل عناصر من لجان حماية الثورة القريبة من حركة النهضة.

وأضحى أهالي المدينة ينقسمون الى ثلاثة أقسام: الأول يجمع النقابيين واليساريين والليبيراليين والحداثيين، والثاني يضم السلفيين وأنصار حركة النهضة والمنتمين الى حزبي التكتّل والمؤتمر من أجل الجمهورية، أما القسم الثالث فيضمّ التجمّعيين من أنصار الحزب الحاكم سابقا الذين اختاروا مراقبة الاوضاع دون التأثير فيها، وغير المهتمّين بالشأن السياسي.

ويقول أحد المراقبين في الولاية أن «من كانوا يعرفون سابقا بالبلطجية والمنحرفين انضموّا الى التيارات المتشددة دينيا، وبعضهم بات يعمل في منظومة لجان حماية الثورة، غير أن الواضح أن أغلبية شباب سيدي بوزيد بات يعيش حالة من اليأس بسبب اتساع دائرة الفقر والبطالة وخيبة الامل في الحكومة وفي الاحزاب والتيارت السياسة بمختلف اتجاهاتها».

من جهتها أكدت منوبية البوعزيزي والدة محمد البوعزيزي أنها مازالت تنتظر تحقيق بعض طموحات أبناء سيدي بوزيد من الثورة، وقالت لـ«البيان»: «لم يتغيّر شيء في المدينة، أغلب الوعود ذهبت سدى، الناس ينتظرون الكثير ولكن لا شيء يتحقق على وجه الارض» وأضافت «حتى ملفات الشهداء والجرحى مازالت في انتظار إجراءات حاسمة من قبل الحكومة».

احتفالات دون بريق

ومن المرجح ان تكون احتفالات سيدي بوزيد بالذكرى الثانية للثورة أقلّ بريقا من احتفالات العام الماضي، بسبب الأوضاع المتردية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وحالة الاستقطاب السياسي التي تعرفها البلاد، والتي أدّت الى غياب التوافق بين الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني حول برنامج احتفالي شامل، تشترك في صياغته والاعداد له جميع التيارات الحزبية والفكرية والايديولوجية والفئات الشعبية.

ولوحظ غياب العفوية في إعداد برنامج الاحتفال بسبب خيبة آمال أبناء الولاية في الثورة التي اعتقدوا أنها ستحل مشاكلهم وستفتح أمامهم أبواب الامل في تحقيق التنمية الشاملة، مما دفع بحركة النهضة والجمعيات التابعة لها بولاية سيدي بوزيد في تنظيم تظاهرات ثقافية تتمثّل بالخصوص في معرض وثائقي حول الثورة وندوة فكرية ولقاءات شعرية وحفل موسيقي شبابي.

عيد وطني

من جهة أخرى علمت «البيان» أن أطرافا سياسية واجتماعية واقتصادية بولاية سيدي بوزيد وجهت ثلاث رسائل الى كل من رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي ورئيس الحكومة حمادي الجبالي ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر تدعوهم فيها الى إقرار يوم 17 ديسمبر من كل عام عيدا وطنا يحمل اسم عيد الثورة ودعت الرسائل الموجهة الى الرؤساء الثلاثة الى اعتبار يوم ١٤ يناير عيدا للنصر والشباب.

 

 

دعوة للاحتجاج

 

 

 

دعا حزب الجبهة الشعبية التونسي المحسوب على اليسار الاشتراكي امس إلى تنظيم احتجاج سلمي اليوم الاثنين في محافظة سيدي بوزيد بدل نصب الاحتفالات بالذكرى الثانية لاندلاع الثورة التونسية.

وقالت التنسيقية الجهوية للحزب في محافظة سيدي بوزيد إن الدعوة إلى الاحتجاج موجهة إلى كل العاطلين والفقراء بالجهة. وطالب عضو التنسيقية بالجهة لزهر الغربي في تصريح إذاعي امس أهالي سيدي بوزيد إلى مقاطعة الاحتفالات «النوفمبرية» للسلطة، نسبة إلى احتفالات السابع من نوفمبر التي كان يحييها النظام السابق تحت حكم الرئيس زين العابدين بن علي كل عام بمناسبة ذكرى استلامه للسلطة.

ومن جهتها، دعت الهيئة الجهوية لحماية ثورة 17 ديسمبر في بيان لها أهالي سيدي بوزيد إلى وقفة احتجاجية سلمية في إطار احتفالاتها بالدورة الثانية لمهرجان الثورة.

وقال عضو الهيئة مهدي الحرشاني لوكالة الأنباء الألمانية: «سنقوم بحركة احتجاجية لأن عامين مرا على الثورة ولم يتحقق شيء في المحافظة». وأضاف «الرئاسات الثلاث في تونس كانت وعدت بتخصيص يوم 17 ديسمبر كعيد وطني يرمز لتاريخ اندلاع الثورة وليس يوم 14 فبراير التاريخ الذي سقط فيه النظام لكنهم لم يفعلوا. كما وعدوا بتخصيص برنامج استثنائي للتنمية للجهة ولم يلتزموا أيضا