المجزرة المروعة التي حصدت 20 من طلاب مدرسة ابتدائية اميركية مع ستة من البالغين العاملين فيها، والتي هزّت الولايات المتحدة، جاءت للتذكير وبصورة صادمة بوباء القتل العشوائي في أميركا. ربما كانت بحجم وسنّ ضحاياها من العيار المفجع. لكن ليس غير المسبوق. هي حلقة في مسلسل تتجدّد فصوله الدموية بالمفرّق والجملة. كلها في وضح النهار. منها بالطرق المافياوية التصفوية. وأكثرها وأشدها بشاعة، تجري بعبثية مخيفة تخطف في طريقها من ساقه سوء حظه في لحظة الجنون الإجرامي إلى مسرح الجريمة. واللافت أن كثيراً من هذه المجازر، خاصة آخر اثنتين، كان القاتل في أول العشرينات من العمر. وقد حصلا على سلاح رشاش وما يكفي من الذخيرة لحصد أكبر عدد ممكن من الضحايا الأبرياء. إجرام بات بمثابة الوباء في أميركا. طالت إقامته وأخذ يتفاقم ومعه كبرت قائمة الضحايا الأبرياء للقتل الجماعي. وبالذات في العقدين الأخيرين. بضاعة ليست غريبة على الساحة الأميركية. لكن خطرها استفحل ولا معالجة مطروحة له. والغريب أن هذه المجازر تتكرر من دون أن تثير لدى الرأي العام الأميركي، ردود فعل ناقمة بدرجة كافية تجبر المسؤولين خاصة في الكونغرس على تقييد إن لم يكن منع السلاح في اميركا.
قتل عبثي
في السنوات الأخيرة، بلغ المعدل السنوي أكثر من 11 ألف قتيل بالسلاح الفردي. وفي كثير من الحالات كانت حوادث القتل الجماعي مفجعة ووقعت في أمكنة مختلفة: في أماكن الصلاة كما في الشارع والعمل والمدرسة والجامعة 37 طالباً في جامعة فيرجينيا تكنولوجي عام 2007. في عام 2009 وحده وقعت تسع حوادث في ولايات مختلفة سقط ضحيتها ستون شخصاً. في السنة الجارية وقعت 15 حادثة صيد بشري جماعي سقط فيها 84 قتيلاً، منها وقع في معبد للسيخ سقط فيها 6 بولاية ويسكنسون، وفي دار للسينما في ولاية كولورادو اودت بحياة 12 وجرح 58. وقبل أيام قليلة حصلت عملية مركز التسوق في ولاية أورغون، عندما صوّب ابن الاثنين والعشرين بندقيته نحو الجالسين في ركن المطاعم فقتل اثنين وجرح ثالثاً ثم قتل نفسه. واليوم يتكرر القتل العبثي العشوائي ليقضي على هذا العدد من التلامذة الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة وضعفها.
وفي كل مرة تقع مجزرة من هذا النوع البشع، يتكرر مشهد الذعر والحيرة والعجز؛ كما يتكرر من جديد السؤال نفسه: لماذا؟ ومعه ينفتح السجال من جديد حول خطر وجود السلاح في متناول الناس وضرورة تقليص ملكيته وربطها بشروط وحدود. لكن سرعان ما تهبّ الدوائر المحافظة ولوبي السلاح الذي تقف وراءه صناعة لها سوق هائلة يملك الأميركيون أكثر من 200 مليون قطعة سلاح دفاعاً عن اقتناء السلاح بزعم أن المشكلة «ليست في قطعة السلاح بل بحاملها». والذريعة الأكبر أن هذه الملكية يكفلها الدستور بنصّ صريح للدفاع عن النفس ولا يجوز مسّها. هذا صحيح، لكنه حق يراد به باطل.
إباحة السلاح
تعود إباحة السلاح إلى أيام الاستقلال الأولى. بعد صياغة الدستور الأميركي، أضاف واضعوه مقدمة عرفت بالتعديلات العشرة الأولى. التعديل الثاني منها أقر صراحة حق حمل السلاح. وكان لذاك دواعيه في حينه. في ذلك الوقت لم يكن لدى اميركا الفتية جيش. عملت الدولة على إنشاء ميليشيا للدفاع عن الاستقلال ضدّ بريطانيا. ومن هنا جاء التعديل الثاني كي يفتح الباب أمام الأميركيين للتسلح كجزء من هذه الميليشيا الدفاعية الناشئة. وتحت هذه المظلة كبر وتضخّم هذا الحق وقامت عليه مصالح هائلة لها نفوذها الوازن في الكونغرس، كما ترسّخت ثقافة تكاد تضع هذا الحق في مصاف المقدسات.
وفي ظلّ هذا النصّ الدستوري الذي جرى ليّ عنقه، قامت أيضاً تجمعات وعصابات وميليشيات في الغرب الأميركي- مجموعة دولتون المسلحة أواخر القرن التاسع عشر- وعصابة جاسي جيمس في الجنوب وميليشيا من أطلقوا على أنفسهم لقب «المكافحين» وغيرهم من العصابات التي مازال بعضها موجود في عدد من ولايات الوسط الشمالي والغربي، وإن كانت عين الأجهزة الأمنية تراقب تحركاتها باستمرار. فالسلاح متاح ولو كان شراؤه يخضع لشروط مختلفة بمرونتها بين ولاية وأجرى. وهو حق مفتوح من حيث نوعية السلاح الذي يشمل كافة أنواع المسدسات والبنادق والرشاشات النصف أوتوماتيكية. كما أنه غير محدود الكمية. فكثير من الأميركيين يملك مجموعة من الأسلحة في بيته. غزارة في متناول الجميع عملياً، إما مباشرة وإما بالواسطة. وفي معظم حوادث القتل العشوائي، كان القاتل مزوداً بسلاح رشاش شبه عسكري. الحصول عليه ما كان مرة مشكلة، طالما أنه متوفر في السوق. مع ذلك يصرّ حماته، خلافاً للدراسات والحسّ العام، على الزعم بأن السلاح لا يقود إلى الجريمة في أميركا، بل أصحاب السلوك السيئ هم السبب.
قضية اقتناء السلاح الفردي في أميركا، مزمنة ومعقّدة. باتت معيبة بحق دولة عظمى تفاخر بأنها بلد القانون والأمن. تحوّلت مع الزمن من حق دستوري إلى معضلة. بل إلى خطر مجاني. مع ذلك تعذّرت معالجتها. بالأحرى، لم تحصل محاولات جادة ولو بالتدريج، لعمل شيء بخصوصها. وقفت في طريقها مصالح كبيرة. صارت كالإدمان الضار الذي يدرك صاحبه مدى الأذى منه، لكنه في ذات الوقت يرتضي البقاء في أسره. السلاح يلبي ثقافة العنف وهذه تعزّز التمسك به. معادلة قاتلة تستبد بساحة عاجزة عن التخلص منها بفعل تواطؤ تجارة السلاح والكونغرس والوعي المشوّه.