مرّت الذكرى الأولى لتولّي الرئيس منصف المرزوقي (67 عاماً)، مقاليد الحكم في تونس، في ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية متوتّرة، وأكدت مصادر قريبة منه لـ «البيان»، أن المرزوقي كان منزعجاً من مجرّد التفكير في أن ذكرى تولّيه الحكم كانت ستتزامن مع الإضراب العام الذي قرّرته الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل، ثم تراجعت عنه الأربعاء الماضي، بعد اتفاق مع الحكومة يقضي بتنفيذ جملة من مطالب المنظمة النقابية، ومن بينها التحقيق في الاعتداء الذي تعرض له مقر الاتحاد، وتقديم المتورطين فيه إلى القضاء، واعتذار الحكومة للنقابيين.

السنة الأولى

وعرفت السنة الأولى من حكم المرزوقي جملة من الهزّات العنيفة التي جعلته يفكّر في تقديم استقالته، بسبب ما اعتبره تجاوزات لصلاحياته من قبل الحكومة، مثلما جرى في حادثة تسليم رئيس الوزراء الليبي الأسبق البغدادي المحمودي إلى سلطات طرابلس في يونيو الماضي، وفي أغسطس الماضي، انتقد المرزوقي ما سمّاه «تغوّل حركة النهضة وسيرها على خطى الحزب الحاكم السابق، التجمع الدستوري الديمقراطي، في الهيمنة على مفاصل الدولة».

وفي سبتمبر الماضي، انتقد فشل الدولة والحكومة والأحزاب والمجتمع المدني، وقال «فشلنا جميعاً». وفي أواخر نوفمبر الماضي، دعا المرزوقي إلى حل الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة مصغّرة من الكفاءات الوطنية غير المتحزّبة، لإدارة شؤون البلاد»، ما دفع بعدد من قياديي الحكومة إلى التلويح بعزله، اعتماداً على قانون التتنظيم المؤقت للسلط العمومية، وخلال الأسبوع الحالي اضطر إلى إلغاء زيارتين إلى بولونيا وبلغاريا، بسبب الوضاع المستجدة في البلاد.

التحالف مع النهضة

ويرى جلّ المراقبين أن تحالف المرزوقي مع حركة النهضة انتهى منذ شهور إلى غير رجعة، وأن الرئيس التونسي عاد لينضم إلى صفوف المعارضة، ليتحالف مع الأحزاب والتيارات العلمانية واليسارية والليبيرالية بعد أن تأكّد من فشل حلفائه الإسلاميين في تحقيق وعودهم الانتخابية للشعب التونسي، وبعد اتّساع دائرة الجدل حول محاولات حركة النهضة للانقلاب على الدولة المدنية والنموذج المجتمعي، وخاصة في ما يتعلّق بحقوق المرأة والحريات الخاصة والعامة، والموقف من الإعلام والقضاء والميليشيات، والعلاقة مع النقابات ومن التيارات السلفية الجهادية.

ولا يخفي المرزوقي قلقه من الأزمات المتتالية في البلاد، سواء على الصعيد الأمني والسياسي، أو على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة في ظل تفاقم أزمة البطالة والتضخم وغلاء الأسعار، والحركات الاحتجاجية في المناطق الداخلية، وآخرها ما جدّ في ولاية سليانة يومي 28 و29 نوفمبر الماضي، ودفع به إلى توجيه انتقادات للحكومة، رحّبت المعارضة بكل أطيافها، وانزعج منها حلفاؤه في حركة النهضة، كما تعرّض إلى ردود فعل غاضبة من لجان حماية الثورة، بعد أن دعا إلى حلّها رسمياً، واتهمها بالعنف والبلطجة، وساءت علاقة المرزوقي مع التيارات السلفية الجهادية، التي نعتها في مناسبتين متتاليتين بـ «الجراثيم» ثم «السرطان»، ما دفع ببعض المتشددين إلى إصدار فتاوى بتكفيره.

الظهور باستقلالية

وبعد أن تعرّض إلى انتقادات واسعة خلال الأشهر الأولى من فترة حكمه، بسبب صمته على بعض قرارات الحكومة، وخيارات حركة النهضة، وخاصة من الأحزاب الليبيرالية واليسارية والعلمانية، اتجّه المرزوقي إلى الظهور بأكثر استقلالية في الرأى والمواقف، إلى حد توجيه انتقادات حادّة للحكومة ولحلفائه في الحكم، الأمر الذي جعله يستعيد جزءاً من شعبيته المنهارة في الشارع التونسي، غير أن تلك المواقف جعلته يفقد الكثير من صداقاته مع الإسلاميين، وخاصة مع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة حمادي الجبالي.

في المقابل، يحاول المرزوقي الانتصار لتاريخه الحقوقي والنضالي، ولتجربته الذاتية، في ظل تراجع حضور حزبه المؤتمر من أجل الجمهورية في الساحة السياسية، بسبب الانشقاقات الواضحة في صفوفه، وعجزه عن استقطاب الأنصار.