يشهر أبو صلاح فوهة مسدسه نحو الرجلين اللذين احتلا مكانه عنوة في الطابور المصطف أمام نافذة الفرن الآلي في حي بستان الباشا بمدينة حلب، يتعالى الصراخ والمناوشات الكلامية، مع محاولات المتجمهرين تهدئة الوضع، يفقد أبو صلاح أعصابه إزاء إصرار الرجلين على عدم التزحزح من المكان، وفي لحظة الانفعال هذه يضغط أبو صلاح على الزناد ويسقطهما أرضاً، يُنقل الرجلان إلى إحدى المستشفيات، يفارق أحدهما الحياة، والآخر يصارع الموت.

ويعود أبو يامن، وهو أحد شهود الحادثة، خالي الوفاض إلى عائلته المنزوية تحت سراديب إحدى البنايات، خوفاً من قصف الطيران، ويعلق بقوله «الناس راحت تنهش بعضها البعض لكي تنال رغيفاً من الخبز».

ولدى أبو يامن ثلاثة أطفال صغار، وهو عاطل عن العمل منذ شهور، يعيش على معونات أهل الخير. يقول «منذ خمسة أيام أعود من الفرن خائباً». وبحسرة حارقة، يضيف: «لولا الخبز اليابس المرمي في زوايا قبو البناية، لتضور أطفالي جوعاً».

تقاسم المعاناة

وتتقاسم آلاف العائلات الحلبية المنكوبة معاناة أبو يامن جراء ما خلفته آثار أزمة الخبز الخانقة التي عصفت بثاني أكبر مدن البلاد، فغالبية الأفران أوصدت أبوابها في وجه الناس، بسبب شح المحروقات، ونفاد دقيق القمح، وانقطاع التيار الكهربائي، كما يحمل الأهالي جزءا من المسؤولية على عاتق تشكيلات الجيش الحر، كونها سيطرت على صوامع القمح في حي العامرية وقايضتها بصفقة السلاح.

وهنا تتباين في مقاربات الناس لما قام به الجيش الحر، فيقول محمد الحلبي، طالب جامعي، يسكن في حي سيف الدولة : «ليس كل شيء يلقى على عاتق الجيش الحر، فهم بالنهاية مقاتلون لحماية الشعب، وليس هدفهم تجويع الناس، فالحاجة الأساسية تكمن في إسقاط النظام بشتى الوسائل، حتى إن استدعى ذلك بيع الهواء الذي نتنفسه».

غريزة البقاء

أما أبو فؤاد وهو رجل مسن يجلس بجوار كشك لبيع الخبز في حي الأشرفية، يخالف محمد الحلبي بالرأي، إذ يقول إن «الناس كرهت السلاح والحرب، لم تعد نفكر من سينتصر، ما يؤرقنا بالفعل كيف سنعيش ليوم الغد، الموت يحوم حولنا».

ويضيف الرجل المسن الذي تشده غريزة البقاء على ماهية الصراع الدائر في سوريا، قائلاً: «أحفادي الصغار هربوا من تحت القصف وقصدوا منزلي، وأنا عاجز على تأمين رغيف الخبز لهم، طرفا الصراع يتقاتلان فقط، وسلامة الناس وحاجياتها الضرورية، آخر ما يفكرون به».

وقد توعد كل من النظام والمعارضة تخفيف حدة أزمة الخبز، وحسب السكان فان تلك الوعود ذهبت مع أدراج الرياح، ولم تنفذ منها شيئا.

أما تلك الأفران التي بدأت تعمل، غدت مادة الخبز فيها حكراً على التجار وأعوان النظام، فيروي فداء وهو ناشط في حي الفرقان، أن تلك الأفران توزع كميات محدودة من الخبز على الناس، ومن ثم تعلن نفادها، لكن في الوقت نفسه تزود مقربي النظام بكميات كبيرة لبيعها بأسعار خيالية في السوق السوداء، فقد بلغ سعر ربطة الخبز 4 دولارات.

يأس

ويدب اليأس في نفوس الناس، الذين لم يعودوا يملكون خيارات كثيرة، فكان اللجوء إلى خبز الصاج أحد البدائل التي تطرق أبواب مدينة حلب بعد سنوات طويلة من انقراضه، بيد أن خبز الصاج نفسه يتطلب تأمين الطحين والمحروقات والحطب، والمعروف أن هذه المواد الثلاث تعاني من الشح، وأن توفرت فأسعارها باهظة جداً.

وتبين تجربة السيدة أم عمر التي تعيش في حي بستان القصر مدى صعوبة هذا الخيار، إذ تقول «أنشأنا على سطح العمارة تنوراً لتحضير خبز الصاج، واليوم خبزنا بما تبقى لدينا من الطحين، وننتظر فرج الله ليوم الغد»، مضيفة القول إن أقرباءها في الريف أرسلوا لها مقداراً من الطحين، والآن نفد ما لديهم ايضاً.

من عمق المأساة

بات الخبز مادة تقترن أهميته بمهر العروس، وتتلخص فحوى هذه الرواية المنقولة على لسان الناس، بأن «العريس الحلبي صار يدفع المقدم للعروس ربطتين خبز عادي، والمؤخر كيس صمون، والخطبة ربطة الخبز السياحي»، كما لم يتوان أصحاب المطاعم من وضع لافتات على واجهة محلاتهم، مكتوب عليها: « ربطة خبز مع شراء كل فروج».