ساهمت الأزمات المتلاحقة التي تشهدها الساحة السياسية المصرية خلال الفترة الحالية في اختفاء التكتلات الحزبية والسياسية التي تمخضت من رحم ثورة الخامس والعشرين من يناير، وأبقت على كتلتين رئيسيتين تتنافسان بقوة، الأولى هي «التكتل الإسلامي» أو التحالف الإسلامي، الذي يضم مختلف الفصائل والأحزاب الإسلامية، و«التكتل المدني» الذي ضم مختلف الأحزاب والقوى الليبرالية واليسارية والكنيسة وغيرها، وانضم إليه فلول النظام السابق أيضاً، فيما اختفى تكتل الوسط،الذي كان ضرورياً ظهوره للعب دور محايد يجمع بين شتات فرقاء الثورة.
ويعد اختفاء قوى الوسط في مصر نذيراً، وفق تأكيدات المراقبين، بإمكانية تكرار السيناريو اللبناني الذي اختفت فيه تكتلات الوسط وظهر طرفا نزاع انفض الناس حولهما من دون تكتل ثالث يلعب دوره من أجل إحداث التوازن المطلوب، وهما تحالفا: 8 آذار و14 آذار.
وتحالف 8 آذار هو تحالف نشأ بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ويضم عددا من القوى وأبرزها: حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل وتيار المردة وتيار التوحيد والحزب السوري القومي الاجتماعي، رابطة الشغيلة، جبهة العمل الإسلامي..
أما تحالف 14 آذار فيتكون من كبار الأحزاب والحركات السياسية التي ثارت على الوجود السوري في لبنان بعيد اغتيال الحريري، وأعضاؤه: تيار المستقبل والقوات اللبنانية وحزب الكتائب ولقاء قرنة شهوان وحزب الوطنيين الأحرار، وحركة التجدد الديمقراطي وحركة اليسار الديمقراطي والكتلة الوطنية اللبنانية.
ويأتي ذلك الانقسام في وقت خلا فيه المشهد السياسي المصري من مؤسسات حقيقية تستوعب الحوار الوطني، ومن ثم بات الصدام عنوان المرحلة بين تلك القوى وبعضها البعض داخل الشارع المصري، وقد انحازت مؤسسة الرئاسة (والتي هي مخولة لممارسة دور الوسيط بين الكتلتين) لإحدى الكتل، وهي «التيار الإسلامي» ما أسهم في اشتعال الأزمة، ورغم أن «حزب الوسط» كان مخولاً (ضمن أهدافه) لأن يمارس دور الوسطية، إلا أن مرجعيته الإسلامية جعلته يعزّز صفوف الفصائل الإسلامية، ويسقط عنه الدور الذي كان ينشد مزاولته بالساحة السياسية المصرية بشكل عام.
تحذير من الانقسام
وقال وكيل مؤسسي حزب النهضة د. محمد حبيب لـ«البيان» ان الانقسام الذي يشق الصف المصري يمثل خطورة على مستقبل الثورة.
ورى د. حبيب أن «القوى والفصائل الساعية نحو مصالحها السياسية تناست مصلحة الوطن»، مشيرا إلى أنه رغم انقسام المشهد السياسي بين كتلتين كبيرتين هما: الإسلاميون والقوى المدنية، إلا أن تلك القوى ليس لها قيمة إذا ما قورنت بجموع المصريين القابعين في منازلهم، غير المشاركين في الصخب السياسي، وهم الذين يصنعون الفارق، وهم أكبر من أي فصيل سياسي، ومن ثم، حسب قوله، فهناك كتلة تشكل الغالبية لاتزال صامتة، وعليه فلابد من التفاف مختلف الفصائل السياسية حول مصلحة مصر من أجل الخروج بها من المأزق الحالي الذي ولدته الانقسامات الأخيرة.
يأتي ذلك في الوقت الذي تتكالب فيه السيناريوهات على مصر، وتتضاعف تكهنات بالتجربة التي سوف تتشابه التجربة المصرية معها، رغم تأكيدات الإدارة الحالية على كون مصر ستفرز تجربة جديدة خاصة بها، تعتمد على عماد والنتائج الإيجابية لكل التجارب التي شهدت تحولا ديمقراطياً، لكن الانقسام بين الساسة، وفق ما يؤكده المراقبون، قد يعرقل تلك الدولة المنشودة، ويسهم في تعزيز فتيل الأزمة حتى يوشك على الانفجار.
