منذ مدّة ليست بالهيّنة، كشفت الأحداث والتناقضات في المواقف داخلي حركة النهضة، وفي تصريحات زعمائها، وجود صراع خفي بين شقّي الحركة، المعتدل والمتشدّد، ففي حين تعمل الحكومة وفق براغماتيّة سياسيّة وتراعي التوازنات الداخليّة والخارجيّة وتسعى إلى وضع خطط تتوافق ومصالح حلفائها، فانّ الشقّ المتطرّف في الحركة يتمسّك بتضمين الشريعة في الدستور، وقد انعكست هذه الخلافات على خطاب الحركة وتصريحات رئيسها راشد الغنوشي التي جاءت كلّها متذبذبة ومتناقضة، ما يعد مؤشّرا على بداية التصدّع الحقيقي داخل حركة النهضة.

 ويرى معظم المراقبين أن خلافات حادة وانقسامات في حركة النهضة بدأت تظهر إلى العلن، ومنها الخلاف بين الغنوشي وحمادي الجبالي سكرتيرها العام، والذي جعل المكتب السياسي ينقسم إلى فصيلين مختلفين، ما أثّر في عناصر الحركة في الحكومة ذاتها، حيث أصبح وزراء مثل رفيق عبدالسلام وزير الخارجية ونور الدين البحيري وزير العدل ومحمد بن سالم وزير الفلاحة وعبداللطيف المكي وزير الصحة في صف الغنوشي، وآخرون مثل: وزير الداخلية علي العريض ووزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية سمير ديلو في صف الجبالي.

التشويش على الحكومة

وقالت مصادر إعلامية إن فكرة « أكبس» الموجهة ضد الحكومة وتحركات لجان حماية الثورة كانت بتنسيق مباشر مع قيادات في النهضة. وترى المصادر أن خلاف الأجنحة داخل حركة النهضة يرتبط بمسائل داخلية وخارجية، منها أن الأطراف ذات الانتماء السلفي في قيادة الحركة ترفض الارتباط الإخواني بالمشروع الأميركي وتراه مناوئا لأهداف الحركة الإسلامية، وتعتبر الغنوشي جزءًا من هذا المشروع، ما دفع بالقيادي الحبيب اللوز إلى المطالبة بتخلي الغنوشي عن قيادة الحركة، والاهتمام بالجانب الدعوي.

ورطة الداخلية

وفي حين يرى وزير الداخلية علي العريّض أنه لا بد من إرساء دولة القانون من موقعه كوزير، يرى الغنوشي أنه من الضروري التحالف بين حركة النهضة ببعدها الفكري الإخواني والتيارات السلفية لمواجهة الأحزاب العلمانية واليسارية والليبيرالية.

وكانت النتيجة أن وجد وزير الداخلية نفسه في ورطات متعددة، من بينها حوادث 9 أبريل الماضي، والهجوم على السفارة الأميركية يوم 14 سبتمبر الماضي، ومقتل القيادي في حركة نداء تونس بمدينة تطاوين لطفي نقّض في أكتوبر، والهجوم على الاتحاد العام التونسي للشغل الثلاثاء الماضي.

تجاوز الصلاحيات

وكان راشد الغنوشي قد اختار عدداً من المقربين له للإشراف على ملفات مهمة في الحكومة والمجلس الوطني التأسيسي ليصبح الحاكم الفعلي للبلاد، لتصبح مواقفه وتصريحاته السياسية أكبر من دور رئيس الحكومة.

و يرى أنصار رئيس الحكومة أن البلاد شهدت خلال العام الحالي أزمات متعددة مع التيار السلفي الذي يتعاطف معه الغنوشي، كما لا تكف المعارضة عن انتقاء أداء الديبلوماسية التي يقوم الغنوشي بتوجيه خياراتها من خلال صهره رفيق عبد السلام، وعندما انتقد الجبالي أداء المجلس الوطني التأسيسي واتهمه بالتباطؤ في إنجاز الدستور الجديد، تحرّكت ضده كتلة حركة النهضة التي يتزعمها الصحبي عتيق ، ليدرك الجبالي أن لا شيء متروكاً للمصادفة، وأن التباطؤ مرتبط بخطة تم الإعداد لها في مكتب الغنوشي.

 

وساطة

 

كشفت مصادر مطلعة أن وفداً سياسياً يتكون من عدد من ممثلي الأحزاب زار مساء أول من أمس مقر الاتحاد العام التونسي للشغل بحثاً عن وساطة بين الاتحاد وخصمه، حركة النهضة وتكوّن هذا الوفد من مجموع ممثلي حزب المبادرة وحركة وفاء وحزب المسار الاجتماعي الديمقراطي والحزب الجمهوري والتحالف الديمقراطي وحركة الشعب وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين.