اللقاءات التي جرت قبل أيام في واشنطن بين مسئولين أميركيين ومصريين كبار وما رافق زيارتهم الخاطفة للعاصمة الأميركية من تلميحات وردود حول الأحداث والتطورات السياسية والدستورية والميدانية المتسارعة في مصر، تشي بملامح مرحلة قادمة تتشكل وفق المعادلة الثلاثية التالية: الحكم للإخوان المسلمين، حراسته وامتيازاته للقوات المسلحة وإدارة أزمته وتوازناته تتولاها واشنطن وحتى إشعار آخر. ما إذا كانت الطريق سالكة أم لا أمام هذا التشكيل، مسألة أخرى. لكن الواضح حتى الآن، أن إدارة الرئيس أوباما ما زالت متمسكة بتوجهها القائم على التعاون مع الرئيس مرسي و«تفاهماتها» مع الإخوان. الأحداث لم تزعزع ولو أنها عكّرت، هذه العلاقة. أو بالأحرى هذه المقاربة الاستراتيجية، المبنية على حسابات متعلقة بالساحة المصرية وقواها السياسية الفاعلة كما بالساحة الإقليمية وصراعاتها المعروفة. خاصة في جوانبها الإيرانية. وليس من المتوقع مغادرة البيت الأبيض لهذه السياسة، برغم الانتقادات التي يسوقها المحافظون ضدّها على أرضية أن " الإخوان نكصوا بتعهداتهم الديمقراطية وسارعوا إلى الاستئثار بالسلطة ".
خلاف إدارتين
بعد لقائه مع نظيره عصام الحداد في البيت الأبيض، أدلى مستشار الرئيس أوباما لشؤون الأمن القومي توم دونيلن بتصريحات تعكس شيئاً من التأفف والتذمر من عجلة الرئيس مرسي الدستورية ومن مرسوم السلطات وما أدّى إليه ذلك من انفجار الصراع في الشارع. ويقال أن الإدارة نصحت بتأجيل الاستفتاء على الدستور، لفتح حوار حول بعض نصوصه مما يؤدي إلى تدوير بعض الزوايا وتبريد الأجواء. لكن البيت الأبيض حرص وكذلك وزارة الخارجية، على الالتزام بلغة متوازنة ساوت بين مسئولية قصر الاتحادية وميدان التحرير. خطاب أكّد عليه مجدّداً الرئيس أوباما في مكالمته الهاتفية ليلة الخميس مع الرئيس مرسي، حيث حصر العملية بعنف " ينبغي على القيادات في الجانبين إلزام قواعدهما بالابتعاد عنه ". صياغة تعمدت اجتناب التطرق للأسباب بحيث يستقيم الاستمرار في تأمين التغطية للرئيس مرسي. وهي تغطية بثمن كانت ترجمته في صياغة دستورية تعطي الجيش المصري صلاحيات وامتيازات " لم يتمتع بها أيام مبارك "على ما يقوله خبراء الوضع المصري، مثل منح العسكر صلاحية " تحديد تفاصيل موازنة الدفاع لوحده وحصر حقيبة وزارة الدفاع بشخصية عسكرية وأن يكون نصف تركيبة مجلس الدفاع الوطني 15 عضواً من العسكريين ، خلافاً لما كان عليه الأمر في السابق حيث كان كافة أعضائه من المدنيين. نصّ "يرضي واشنطن التي تراهن على علاقتها المتينة بالجيش المصري " ، كما يقول أحد المحللين العسكريين.
علاقة واشنطن بمصر الرئيس مرسي مربكة ومشحونة بالارتياب، من الجانبين. في ذات الوقت يحرص الاثنان على تماسكها من باب أنه لا غنى لأي منهما عنها. الحاجة المتبادلة تشكل الصمغ الذي يربط طرفيها. الشكوك الأميركية بحكم مرسي كبيرة. عزّزتها الخطوات الدستورية وتداعياتها الأخيرة. لكنها لم تتحوّل إلى حملة ضدّه. على الأقل حتى الآن. بل هناك اعتراف بخطوات إيجابية للنظام. منها مثلاً، رفض الرئيس مرسي وحزبه تمرير مواد " متشددة " في الدستور طرحتها القوى السلفية. الرئيس مرسي يوفد كبار معاونيه إلى واشنطن القيادي عصام العريان وصل أو في طريقه إليها، بعد أيام من زيارة المستشار الحداد للتطمين. وإدارة أوباما تبعث إلى القاهرة بنصائح التوازن، عبر الاتصالات الهاتفية. ثمة خشية في واشنطن من زئبقية الوضع المصري. أوباما يراهن على حكم الإخوان " المقبول" في مصر، كعامل لجم لقوى التطرف. والنظام الوليد يبدو أنه يراهن على هذه الحاجة ليعزّز من خلالها إمساكه بمفاصل السلطة ومؤسساتها، تحت مظلّة الجيش الذي يسود الاعتقاد في واشنطن بأن الرئيس مرسي باتت علاقته معه متينة وبمباركة الإدارة الأميركية. معادلة تحكم الصراع الراهن في مصر طالما بقي ميدان التحرير تحت السيطرة.
