ثمة تغيرات متتابعة تشهدها الساحة السياسية المصرية خلال الفترة الأخيرة في أعقاب الثورة ومنذ سقوط النظام السابق وحتى تَمكُن الإسلاميين من السيطرة على مفاصل حساسة بالدولة على رأسها مؤسسة الرئاسة وأفرزت تلك التغيرات صراعًا «أيديولوجيًا» يزيد حالة الصدام السياسي وظاهرة الاستقطاب السياسي في مصر والتي لم تقف عند حدود المسؤولية الوطنية وفق ما يؤكده المراقبون بالقاهرة بل طغى عليها فتسبب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في سقوط الدولة في «بحور من الدماء» كان آخرها الاشتباكات المُتكررة بين مؤيدي الرئيس محمد مرسي ولديهم أيديولوجية إسلامية مُحددة ومعارضيه من القوى المدنية.
وبات الصراع الأيديولوجي بين طرفي الصف المصري عنوانًا لمختلف الملفات وداعمًا للانقسام على الصعيد السياسي ما أربك وأطال أمد المرحلة الانتقالية وأسهم في عرقلة الوصول إلى بغية الاستقرار المجتمعي بصورة عامة عقب الثورة في الوقت الذي يؤكد فيه المراقبون أن أبرز ما يعيق بلوغ الشارع الاستقرار المنشود وحلم «الجمهورية الثانية» هو صراع الأيديولوجيات الذي يفتقد في كثير من الأحيان للمسؤولية الوطنية، فيحرك أصحاب الأيديولوجيات المختلفة أنصارهم في سبيل الضغط على نظرائهم أصحاب الأيديولوجيات الأخرى، وعرقلة مطالبهم.
تهميش
ويرى البعض أن مرسي أراد أن يستخدم سلاحًا لدرء محاولات الأيديولوجيات غير الإسلامية التي تبغي عرقلة المشروع الإسلامي الذي يتم التأسيس له من خلال مشروع الدستور، ومن خلال تبنيه استراتيجية حاسمة همّش فيها معارضيه من القوى المدنية انتصارًا لأيديولوجياته الإسلامية إلا أن ذلك في الواقع العملي وفق ما يؤكده المحللون لم يكن التصرف الأمثل خاصة أنه زاد من ثورة وحنق الليبراليين واليساريين الذين رفضوا الإطاحة بهم بهذه الصورة وراحوا يحشدون أنصارهم في مواجهة حشود الإسلاميين ليتحول الخلاف في الأخير من خلاف سياسي عادي لخلاف أيديولوجي عقائدي راحت خلاله بعض فصائل تيار الإسلام السياسي تتهم من سواها بمحاولة علمنة مصر وبكونهم «أعداءً لشرع الله».
وبذلك، فقد طغى الخلاف التاريخي بين فرقاء الثورة في مصر على المسؤولية الوطنية، وراح كل من القوى ينشد قصاصًا وثأرًا من الفصيل الآخر، فالإسلاميون مازالوا يدينون اشتراكية الرئيس جمال عبدالناصر خاصة لما شهدوه إبان عهده من تضييقات فيضيقون ذرعًا الآن بعدما تمكنوا من الحكم من جموع اليساريين والناصريين ما يزجي الصراع بينهما فيما تعتبر القوى المدنية وفق صراعهم التاريخي مع الإسلاميين أن الحكم الإسلامي محكوم عليه بالفشل ومن ثم تنشب نيران الصراع الأيديولوجي لتعمي أنظار القوى المختلفة عن مسؤوليتها الوطنية في الحوار والجلوس على مائدة واحدة لمناقشة ما بلغته الأوضاع خلال الفترة الأخير وسبل تحقيق مطالب الثورة ولذا كان مفهومًا أن ترفض القوى المختلفة الحوار مع الرئيس مرسي.
