في ظل حالة من الانقسام الكبير، تعيش الساحة السياسية المصرية صراعاً حامي الوطيس منذ 22 نوفمبر الماضي عقب الإعلان الدستوري الأخير الذي أصدره الرئيس محمد مرسي وفجّر حراكاً دامياً خلال اليومين الماضيين، وأثار جدلاً واسعاً امتد لظاه إلى القضاة الذين انشطروا بدورهم حيال المشاركة في الاستفتاء على الدستور 15 الجاري. ومنذ ذاك التاريخ لجأت القوى والأحزاب السياسية إلى سياسة «عض الأصابع» التي تراهن على تحمل الألم والصبر عليه عبر الحشد لتظاهرات مليونية كانت أقرب إلى استعراض القوة منها إلى إبداء الرأي.
ورغم أن القاهرة على موعد مع استحقاق مهم كان من الأولى أن يكون يوما للاحتفال بالثورة بعد إنجاز أول دستور لها بعد الإطاحة بالنظام السابق بدلاً من حالة الاستقطاب والاصطفاف، إلا أن المشهد الراهن هيمن عليه استعراض القوى من قبل كافة الأطراف السياسية، سواء المؤيدة لقرارات مرسي أو المعارضة له. وتسابق كل طرف لتحميل الآخر مسؤولية ما يجري. وشرع كل فريق في إشهار أسلحته لمبارزة خصمه السياسي الذي كان يوماً رفيقه في الميدان الذي استطاع بعض فلول النظام السابق أن ينتهزوا فرصة الانقسام الراهنة ليتسللوا إليه بعد ما انتفض ضدهم في ثورة كانت وستبقى معلما مهما في تاريخ البلاد.
وانطلقت الدعوات التي لم تتوقف بعد إلى التسابق نحو المليونيات من أجل تأكيد قوة كل فصيل في الشارع، فراحت المعارضة تجتمع في خندق واحد ونبذت خلافاتها وانضوت تقريبا معظم القوى الفاعلة فيما يسمى «جبهة الإنقاذ الوطني» التي حشدت بقوة في أولى فعالياتها تحت شعار «للثورة شعب يحميها».
ورغم المشاركة الواسعة في التظاهرة، إلا أن بعض المحللين أخذ على المعارضة ثمة أخطاء أدت إلى عزوف رجل الشارع عن دعواتها بعض الشيء، من ذلك ما يسمى «الاستقواء بالخارج» ومطالبة الدول الأوروبية والولايات المتحدة التدخل في الشأن الداخلي، وكذلك مطالبة الجيش بالعودة مرة أخرى إلى السياسة، وهو الأمر الذي أثار موجة واسعة من السخط حيال تلك الدعوات. الخطأ الثالث الذي كان ضربة موجعة للمعارضة هو تحالفها مع بعض من يسمون فلول النظام السابق وظهور هؤلاء بشكل لافت في ميدان التحرير الذي انتفض على النظام السابق وسياساته. هذه الأخطاء أثرت لا شك في استجابة رجل الشارع والذي كان ولا يزال يرفض وبشكل قاطع أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي وكذلك عودة الجيش للسياسة، فضلاً عن رفض النظام السابق ورموزه تحت أي مسمى.
وفي المقابل، جاء رد المؤيدين لقرارات مرسي بالدعوة إلى مليونية حاشدة تحت شعار «الشرعية والشريعة» والتي لافت إقبالا واسعا وصدى قوياً في الشارع، استطاعت من خلاله قوى تيار الإسلام السياسي توظيف أخطاء المعارضة بشكل كبير.
غير أن التظاهرات المؤيدة هي الأخرى خرجت عن سياق التأييد ووقعت مثل المعارضة في فخ استعراض القوى والاستقواء بشعارات زادت من الانقسام ولم تسع إلى لم الشمل. وكان من أبرز ما أخذ على تلك التظاهرات هي شعاراتها الحادة إزاء المعارضة وكيل الاتهامات لرموزها الوطنية.
كذلك فإن التظاهرات المؤيدة والحشود المساندة لم تقدم إجابات شافية بشأن ما يثار حول القلق من بعض مواد الدستور والإعلان الدستوري الذي لم يغضب القوى السياسية فحسب، وإنما أثار كذلك حنق بعض مستشاري الرئيس الذين تقدموا باستقالتهم احتجاجاً على الإعلان الدستوري من بينهم د. سمير مرقص وفاروق جويدة.