هتافات عدائية للنظام المصري الحالي تكررت بمحيط ميدان التحرير خلال الأيام الأخيرة الماضية، والذي يشهد اعتصامًا وتظاهرات متتالية من القوى المدنية ضد الدستور الجديد.. أطلق تلك الهتافات مجموعة من «المشايخ»، وأنصار التيار الإسلاميين في مصر، الذين «كفروا» بالرئيس المصري محمد مرسي وباستراتيجية وفلسفة جماعة الإخوان المسلمين في إدارة المشهد السياسي المصري بشكل عام، فضلا عن احتجاجاتهم على مواد الدستور الجديد، وهي «ظاهرة» بدأت تلوح في الأفق مؤخرًا، وتشكل نذيرًا بأولى حلقات الانشقاق العملي داخل صفوف الإخوان والتيار الإسلامي بشكل عام. ورغم ذلك فإن التيار الإسلامي استطاع حشد تظاهرات مليونية في مواجهة القوى المدنية في حرب تكسير العظام الدائرة حالياً.
المتابع لمشهد ميدان التحرير، خلال التظاهرات الأخيرة، يكتشف أن ثمة تغييرًا قد طرأ في أيديولوجيات المشاركين في التظاهر ضد الرئيس مرسي والتيار الإسلامي، إذ يكتشف وجود كم هائل من المنشقين عن الإخوان المسلمين، وعدد آخر من أصحاب المرجعية الإسلامية داخل الميدان، يهتفون ضد الدستور وضد «الإخوان»، ويعتلون المنصات المنتشرة بالميدان ويسردون أسباب انفضاضهم من حول تيار الإسلام السياسي. ويأتي ذلك أيضًا في أعقاب انشقاق «إسلام» نجل شقيق رئيس مجلس الشعب المنحل رئيس حزب الحرية والعدالة محمد سعد الكتاتني، عن التيار الإسلامي وإرساله كلمة للرئيس مرسي أكد خلالها أن الرئيس غير مؤهل لرئاسة مصر بأي حال من الأحوال. ووجه لمرسي كلاماً قاسياً بقوله: «ارحل يا مرسي فأنت صناعة أميركية».
على خطى «الوطني»
وفي هذا السياق، قال الناشط السياسي محمد بركات، أحد المنشقين عن التيار الإسلامي، عبر إحدى المنصات الرئيسية بالميدان إنه قد أيد الإسلاميين لنظرتهم السياسية الثاقبة، ورشّح الرئيس مرسي في الانتخابات الرئاسية من أجل «المشروع الإسلامي»، لكنه سريعًا ما اكتشف من خلال المواقف العملية لمؤسسة الرئاسة أن التيار يدير الحركة بنفس آليات إدارة الحزب الوطني المُنحل، من خلال «المغالبة» ومحاولة الاستحواذ على مختلف المؤسسات، وتجاهل وتهميش قوى المعارضة المختلفة، ما جعل الكثيرين يكفرون بفلسفة الإسلاميين في التعامل السياسي، وأفرز معارضة قوية تم تجاهلها، كما أفرز دستورًا أسهم في تغول السلطات التنفيذية، وبالتالي تم رفضه والتضامن مع معتصمي التحرير من أجل تعديله، على حد قول بركات.
مواقف المنقبات
وشهد الميدان توافد العشرات من المنقبات المنتميات للتيار الإسلامي أيضًا، واللاتي رحن يقصصن موقفهن من الدستور وأسباب تأييدهن لمطالب القوى المدنية، إذ وصفوا الرئيس مرسي على كونه «أسهم عمليًا في شق الصف المصري، وتقسيمه ما بين تيار مدني وآخر إسلامي، ووسع الفجوة بين التيارين جدًا، عندما انحاز للإسلاميين بوضوح، كما انحاز إليهم مشروع الدستور الجديد أيضًا».
تقول إحدى الناشطات، د. سميرة حسن لـ«البيان»: «إن مطالبنا الرئيسية وانشقاقنا عن الإسلاميين ليس انشقاقًا أيديولوجيًا، ولكنه انفصال سياسي فقط، ومن حق مختلف المصريين الانفصال السياسي عن أي فصيل، ونحن لا نطالب بعزل الرئيس مرسي، أو اسقاطه، لكننا نطالب بتعديل ما أخطأ فيه والعدول عن الاعلان الدستوري وإرجاء التصويت على الدستور الجديد».
وفي سياق متصل، تداولت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة شهادة للشاب محمد صلاح، وهو واحد من أبناء التيار الإسلامي، الذي أكد فيها على اقتناعه بأهداف ومطالب القوى المدنية بالميدان، ورفضه لقيام الرئيس مرسي بالانحياز والتحيز للفصائل الإسلامية المختلفة فقط دون النظر لباقي الفصائل.
خطر مستقبلي
ويشير مراقبون إلى أن تأثير ذلك «الانقلاب الإسلامي على القادة الإسلاميين قد يكون خطيرًا مستقبلا، وخاصة أنه يحمل في فحواه بداية لانشطار وانشقاق الصف الإسلامي، ومن ثم وضع جملة من العراقيل أمامهم، وزيادة حالة الغضب الشعبي والاحتقان الدائر فيه بسبب قرارات مؤسسة الرئاسة، وبالتالي تتراجع أسهم الإسلاميين بقوة، ما يشكل خطرًا على نسبة تمثيلهم في البرلمان ووضعهم في ماراثون الانتخابات الرئاسية المقبلة». إلا أن المراقبين تنبأوا بأن تقوم الفصائل الإسلامية باحتواء ذلك، وبممارسة دورها في «لم شمل» شبابها خشية استمرار تلك الظاهرة.
رسائل قوية
ورغم ما تقدم من انشقاقات وانقلابات في التيار الإسلامي على الرئيس مرسي، إلا أن حرب «تكسير العظام» لاتزال دائرة بين شقي الصف المصري الآن، وهما التيار الإسلامي والقوى المدنية، وخاصة عقب نجاح القوى المدنية «لأول مرة» في حشد أعداد هائلة من المصريين من أجل معارضة التيار الإسلامي، وقرارات الرئيس مُرسي، وهي الرسالة التي سريعًا ما ردت عليها القوى الإسلامية من خلال «مليونية السبت» الأخيرة، التي بعثت فيها برسالة مضادة للتيار المدني أكدت خلالها مدى عنفوان الفصائل الإسلامية، وأنها لازالت قادرة على الحشد.
ووفق ما يؤكده مراقبون، فإن القوى والفصائل الإسلامية المصرية بتظاهراتها الأخيرة، وسبل معالجتها للأزمة الحالية، التي أوجدتها قرارات الرئيس مرسي، قد بعثت برسائل أربع لنظيرتها المدنية، أول تلك الرســـائل أن الإسلاميين لايزالون يتمتعون بالقدرة على الحشد، وأن الفصائل الإسلامية تمتلك «الشرعية»، من خلال سيطرة حزب الحرية والعدالة على مفاصل الدولة، أما الرسالة الثالثة، فهي تهديد واضح وصريح للقوى المدنية المنافسة لهم على كعكة التواجد بالمشهد السياسي المصري، مفاده أن الإسلاميين لايزالون قادرين على الاستحواذ على البرلمان المقبل أيضًا، والرسالة الرابعة، تؤكد على استمرارية الفصائل الإسلامية المختلفة في مبدأ «المغالبة» وليس «المشاركة»، وبتلك المغالبة نجحوا في تمرير المشهد السياسي لصالحهم.
انقلاب أزهري
شارك في الانقلاب على الرئيس محمد مرسي واستراتيجية الإخوان المسلمين والفصائل الإسلامية على المشهد السياسي عدد من علماء الأزهر الشريف، الذين انتقدوا الدستور الجديد، كما انتقدوا ما لم ينفذ من وعود الرئيس مُرسي وتعهداته أثناء فترة الدعاية الانتخابية، والتي استخدمها من أجل الوصول لسدة الحكم وتجاهلها تمامًا عندما وصل إليها.
