لم يسبق لواشنطن أن حذّرت دمشق بلغة الإنذار، من اللجوء إلى السلاح الكيماوي في أزمتها الداخلية. خلال الصيف الماضي، اشارت إلى خطورة استخدامه أو احتمال السطو عليه من جانب المتطرفين. لكن ليس بصيغة الحديث عن «العواقب والمحاسبة» وعن «الخط الأحمر»، التي خاطب بها الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته الرئيس السوري، فيما لو استخدم نظامه الغازات السامة.
لذلك استحوذ هذا التحوّل على الأقل في الخطاب على العناوين والأضواء والمداولات في واشنطن، لما انطوى عليه من احتمال نشوب حرب جديدة، لو بلغ التدهور الحدّ الذي قد يحمل النظام في لحظة «يأس» على لعب ورقة الكيماوي. إمكانية يقول المراقبون أنها انتحارية.
لكنها غير مستبعدة بالكامل، في ضوء المعلومات المنسوبة إلى مصادر استخباراتية أميركية.
وفق هذه المصادر، عمدت السلطات العسكرية السورية في الفترة القريبة الماضية إلى نقل «عناصر تركيب هذا السلاح» من مخازنه إلى أمكنة تبدو أنها مخصصة «لتجميعها» بحيث تصبح جاهزة للاستعمال. وتضيف بأنه إذا كان مثل هذه الحركة حصلت وتمّ رصدها خلال الشهور الماضية، إلاّ أنها كانت، حسب هذه المزاعم، «محدودة وشملت كميات أصغر من الكيماويات».. هذه المرة، كانت «الكميات أكبر».
دائرة الخطر
الأخطر، أن حركة نقلها من المستودعات تأتي في لحظة يزداد فيه الضغط على العاصمة دمشق. فالصورة المتداولة في واشنطن، أن قوات النظام تعذّر عليها في الأيام المنصرمة، رفع التهديد عن طريق المطار وإن تيسّر إبعاد نار المقاتلين عنها وإعادة فتحها. لكنها تبقى مهدّدة. الأمر الذي يفيد أن النظام دخل دائرة الخطر.
ويعزّز هذه القراءة، ما قاله بوتين أثناء زيارته لتركيا بانه لا يدافع بعناد عن نظام الأسد. كما ذكر بانه كان على توافق مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حول وجوب «البحث عن مخرج سياسي» يؤدي إلى «إقناع الرئيس الأسد بالتخلي عن السلطة».
الأوساط الأميركية رأت في هذا الكلام بداية «ليونة» في الموقف الروسي فرضتها التطورات الميدانية السورية، معطوفة على رغبة روسية في إرسال إشارات إيجابية إلى أوباما بعد التجديد له.
فالرئيس أوباما ألزم نفسه علناً بالتصدي لمثل هذا التدهور المريع في حال حصوله. وإن كان إنذاره غير محدّد صراحة بردّ عسكري، لا يريده أصلاً. قد يكون ما قصده أقل من التدخل ولو الجوي.
ربما من نوع مضاعفة العقوبات او ضرب حصار على سوريا، ولو أن البوابة العراقية تشكل عقبة في طريقه، كما تعترف واشنطن. فقط من باب التحسب للطوارئ، طلب الرئيس من البنتاغون إعداد الخطط اللازمة لمواجهة كافة الاحتمالات.
لكن الاعتقاد الراجح أن أوباما أراد من تصعيد خطابه التحذيري، التهويل على دمشق وثنيها عن أي تفكير في اللجوء إلى الكيماوي؛ فضلاً عن إرباكها في لحظة تلوح فيها احتمالات انهيار نظامها ولو بعد فترة لن تكون بالبعيدة.
امتحان فاصل
النظام السوري أمام امتحان فاصل، عنوانه مصير العاصمة دمشق. كذلك إدارة أوباما نفسها حين وضعت نفسها أمام اختبار مماثل. ثمة من لا يستبعد وجود تنسيق ما بين واشنطن وموسكو، عكستها من ناحية «ليونة» شكلية أفصح عنها بوتين خلال مؤتمره الصحافي مع أردوغان ومن ناحية ثانية تصعيد إدارة أوباما تجاه دمشق من مدخل الكيماوي. هل يكون هذا الأخير بوابة المدخل إلى المرحلة الانتقالية؟ ربما، على ما يشي به التحرك الراهن في المواقف إلاّ إذا رجحت كفة حلّ «علي وعلى أعدائي».