في ليلة حالكة السواد، تساقطت القذائف على منازل قريتي البريقة وبئر عجم الواقعتين في الجزء المحرر من الجولان المحتل، رغم وقوعهما في المنطقة منزوعة السلاح بحسب اتفاق الهدنة بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي برعاية دولية. ويرجع الناشط الميداني عمر أسباب استهداف النظام لهاتين القريتين إلى اشتباك جرى بين عناصر الجيش الحر والقوات النظامية، وأسفرت تلك العملية عن مقتل شاب ينحدر من الشركس القاطنين في تلك القريتين.

ويردف عمر، الذي يسهل مع الجيش الحر إيصال النازحين إلى الملاجئ : «أثار مقتل هذا الشاب الجامعي على يد قوات النظام سخط الشركس، وسارعوا إلى احتضان الجيش الحر، وتقديم الخدمات اللوجستية من المال والطعام، الأمر الذي وضعت المنطقة في مرمى نيران الدبابات والطائرات النظام». وتنتشر الأقلية الشركسية في قريتي البريقة وبيرعجم الواقعتين في منطقة منزوعة السلاح في الجولان. وتخضع المنطقة للحكم السوري، إلا أنه لا يسمح للقوات السورية بدخولها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الصادر عن الأمم المتحدة.

100 ألف شركسي

ويصل تعداد الشركس في سوريا عموماً إلى 100 ألف شركسي، يتوزعون على معظم المدن بنسب متفاوتة، ويعتنقون الديانة الإسلامية، وتعتبر القريتان السابقتان بمثابة المرجع الروحي للشركس في سوريا، حيث تقطن فيها قرابة ثمانية آلاف حسب أرقام سكان المنطقة. ويقول السكان إن السلطة السورية اغتاظت من التعاون المتبادل بين الشركس والجيش الحر، وعلى إثرها استهدفت الحاضنة الاجتماعية بكل الوسائل الممكنة، فيشير أبو عبدو الجولاني الذي طرد من وظيفته الحكومية في مدينة بير عجم: «لدي طفل معاق، ويحتاج إلى الدواء بشكل يومي، ولأن حواجز الجيش منعت الصيدلاني الوحيد المتواجد في القرية من الدخول إليها سيتدهور بالتأكيد صحة ابني».

ويقول أبوعبد، الذي يعيش مع أولاده الأربعة في منزله المهدم: «لا أعرف من أين سأجلب الوقود والطعام للأولاد، سيما أن فصل الشتاء قاسٍ جداً في هذه المناطق الجبلية، هذا النظام لا يفرق بين الأقلية والأغلبية، يعاقب كل من يعارضه، ونحن الشركس نقف مع الثورة منذ بدايتها».

حقول محاصرة

وشكل انتشار القناصة بين الحقول والأحراج الزراعية عقبة في وجه المزارعين للخروج إلى أراضيهم، والمعروف أن معظم السكان يعيشون على الزراعة، حيث يشير مزارع شركسي من نفس القرية وأطلق على نفسه أبويحيى : «منعونا من ارتياد أراضينا التي كنا نقتات منها، بذريعة تقديمنا الطعام خلسة لكتائب الجيش الحر المنتشرة بين الحقول، وأضرمت إسرائيل وقوات الأسد كل من جانبهما النيران في الحراج والحقول، وشكل هذا الوضع كارثة في المنطقة». مضيفاً: «حتى الماء بات عصياً علينا، فلولا قيام سيارة الإطفاء الوحيدة التي يتكرر أعطالها يومياً بتعبئة كميات ضئيلة من المياه على العائلات المتبقية لكان العطش نال منا».

هذا الحصار يفتك بهؤلاء الذين يفتقرون إلى السيولة للخروج من القرية صوب المناطق المجاورة، مضافاً إليه الخوف من الاعتقال على يد قوات النظام. وهم بذلك فضلوا البقاء تحت القصف على عدم خطو خطوة خارج حدود القرية. أما الشريحة التي نزحت من الشركس، حاولوا بمعية الجيش الحر النزول إلى الملاجئ المتاخمة، وتوزعوا على الملاجئ التي تم إعدادها في فترة سابقة لتكون سنداً للأهالي إذا ما تعرضوا لهجوم من قبل إسرائيل، لكنها استخدمت اليوم لتحمي السكان من قذائف الجيش السوري.

 

 

طريقة الحياة

 

 

 

تعتبر طريقة الحياة المعاشة في تلك الملاجئ شبيهة بطريقة الحياة القديمة. ويصف أبو عبد الله، وهو رجل مسن، وأحد المنزوين في الملاجئ معاناتهم اليومية بالقول: «نمكث هنا منذ عشرة أيام، نفد الماء والأكل، نعتمد على المولدات الكهربائية التي تعمل على الديزل لإشعال النور، وهي أيضاً لم تعد تفلح لأن البنزين نفد تماماً». ويضيف أبو عبد الله الذي يعاني من مرض السكر: «انعدمت الأدوية للمسنين الذين يعانون من الأمراض المزمنة، كما لا يوجد حليب الأطفال الصغار، وفوق هذا يضم كل الملجأ أكثر من 80 شخصا بين مسنين وأطفال ونساء».