لم يعل صوت في مصر خلال الفترة الأخيرة على وقع صدام ما يسمى بـ«الدولة العميقة» والنظام الجديد، إذ شهد الصراع بين الطرفين جولات وجولات عقب الثورة انتصرت فيها مؤسسة الرئاسة حين أطاحت بازدواجية الحكم من خلال إلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبيل الانتخابات الرئاسية وإحالة أبرز القادة العسكريين للتقاعد، وكانت الدولة العميقة نجحت في انتزاع حكم قضائي ببطلان انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) وهو الحكم الذي تم على إثره حل المجلس الذي كان يسيطر على غالبيته الإسلاميون.
و«الدولة العميقة» مجموعة من التحالفات النافذة والمناهضة للديمقراطية داخل النظام الحالي ومجموعة من الموالين سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات بالهيكل الإداري للدولة مواليين للنظام السابق ومنفذة لأجنداته المختلفة.
ويرى أساتذة السياسة أن من أبرز مؤسسات الدولة العميقة هي الجيش والهيكل الإداري للدولة بشكل عام وكبار الموظفين فيه فضلا عن مؤسسة القضاء نفسها، والتي يصفها البعض بأنها «دولة داخل الدولة» يكون لها تأثيرات على النظام الحاكم من خلال نخرها في العمود الفقري للنـــظام الجديد وتطبيعه بطباعها ورؤيتها.
دولة موازية
ووفق ذلك المفهوم السياسي لمصطلح «الدولة العميقة» فإن الرئيس محمد مرسي عقب أن انقضى من ولايته الأولى نحو 160 يوماً نجح في تقزيم تلك الدولة الموازية من خلال قراراته الثورية بالإطاحة بالحكم العسكري فضلا عن قيامه بخطوات وصفها البعض بأنها «دكتاتورية» ورأى آخرون أنها «تضييق على مؤسسة القضاء» لمحاولة إزالة الدولة العميقة من خلال الإعلان الدستوري الذي أصدره مؤخراً وينتهي بإقرار الدستور، في الوقت الذي شمل ذلك الدستور على جملة من «التضييقات» على القضاء خاصة المحكمة الدستورية العليا التي حلت قراراتها مجلس الشعب الأخير ووضعت مصيرها في يد رئيس الجمهورية المخول لتعيين أعضائها، كما استلبت منها عدداً من الصلاحيات الأخرى.
جذور ممتدة
وفي تصريحات إلى «البيان» يرى القيادي في حزب الحرية والعدالة، وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب (المُنحل) أشرف بدرالدين أن قرارات مرسي الأخيرة أسهمت بصورة كبيرة في الحد من نفوذ الدولة العميقة، مشيرا إلى أن مرسي اتخذ خطوة قوية في هذا الصدد.
لكن بدرالدين استدرك القول: إنّه «لا شك أن جذور تلك الدولة لاتزال ممتدة في الجهاز الإداري وتحتاج لجهد كبير».
ويشير بدرالدين إلى أن طرح الدستور للاستفتاء وإجراء الانتخابات البرلمانية عقب إقراره سيكون «ضـــربة قوية» لتلك الدولة وخاصة أن البرلمان المقبل سيقوم باتخاذ جملة من القرارات وتشريع جملة من القوانين للتضييق على الدولة العميقة والحد من تأثيرها بشكـــل عام على الأوضاع في مصر، مؤكداً أن الإشكالية الحــادثة مع القضاء الآن ترتكز على «سوء فهم وتقدير القضاة لنية مــرسي من الإعلان الدستوري».
وذكرت تــقارير أن العلاقة المضطربة نوعاً ما بين الرئاسة ومؤسسة القضاء تنبع من منطلق لجـــوء النظام الراهن لتتبع عناصر الدولة العميقة داخل مؤسسة القضاء، ومن ثم تم صدور الإعلان الدستوري الأخير، كما استخدمت بعض مواد الدستور للتضييق على عناصر تلك الدولة سواء في القضاء أو غيرها من الأمور، حسب تلك التقارير.
بدوره، يرى القيادي في حزب النور السلفي محمود عباس أن الدولة العميقة وأربابها لايزالوا يسيطرون على مفاصل الدولة من خلال سيطرتهم على مراكز حساسة في الجهاز الإداري، وبالتالي، بحسب عــباس، فإنّ «هناك متسعاً كبيراً من الوقت من أجل تطهير مختلف المؤسسات».
خروقات
يؤكد مراقبون أن صدام مؤسسة الرئاسة بالدولة العميقة شابه جملة من الخروقات القانونية التي تجلت بوضوح في الإعلان الدستوري الأخير، الذي غلّ يد القضاء في نظر دعاوى حل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية.