يبدو ان الضغوط الدولية التي مورست عقب اتفاق التعاون بين السودان وجنوب السودان أتت أكلها حيث انه ما ان انقضت مهمة المبعوث الاميركي للبلدين برنستون ليمان خلال زيارته الاخيره لكل من الخرطوم وجوبا، حتى حطت طائرة كبير مفاوضي دولة جنوب السودان باقان اموم بمطار الخرطوم حاملا رسالة من اجل بث الروح في الاتفاقيات الثماني التي وقعها الرئيسان عمر البشير وسلفا كير في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا في السابع والعشرين من سبتمبر الماضي بعد ان اعترضتها عقبات التعثر التي ظلت تقيد تطور العلاقات بين البلدين منذ انفصال دولة الجنوب في يوليو من العام الماضي .

ووصف مراقبون زيارة كبير مفاوضي الجنوب الى الخرطوم بانها الأهم بعد توقيع الاتفاقيات وفشل اجتماعات اللجنة الامنية السياسية المشتركة بعاصمة الجنوب جوبا بعد رفض الوفد السوداني للترتيبات المتعلقة بتصدير النفط ما لم يتم حسم الملفات الأمنية بين البلدين، خاصة قضية فك ارتباط الحركة الشعبية- قطاع الشمال التي تخوض معارك ضارية ضد الجيش السوداني بمنطقتي النيل الازرق وجنوب كردفان. وهو الأمر الذي يجعل من الزيارة ذات وضعية خاصة، ويعزز ذلك تأكيد رئيس الوفد الجنوبي الزائر بان الهدف الرئيسي تفعيل تنفيذ كل ما تم توقيعه من اتفاقيات بين البلدين.

سلام نهائي

ويؤكد كبير مفاوضي الجنوب إلى ان لقاءاته مع القادة السودانيين كانت بهدف الترتيب للتنفيذ السلس لاتفاق التعاون وتحقيق الأمن المتبادل بين البلدين وداخلهما والوصول الى سلام واستقرار نهائي لشعب الدولتين، منوها في الوقت ذاته الى ان تلك اللقاءات والمباحثات ستستمر حتى الوصول إلى صيغة متفق عليها للتنفيذ. ويمكن النظر الى زيارة اموم الذي يوصف بانه «الأكثر تشددا» في المواقف التفاوضية من بين قادة دولة الجنوب خاصة في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور الذي تعيشه الدولة الوليدة في ظل توقف ضخ النفط المورد الأول منذ قرابة العام، الى جانب اغلاق الحدود بين البلدين، خاصة وان اغلب السلع الحياتية يتم تصديرها من السودان. ويضاف الى كل ذلك التحذيرات المتكررة التي تطلقها المنظمات الدولية وكان اخرها تحذيرات نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية من انهيار دولة الجنوب في حال استمرار توقف إنتاج النفط. وبقراءة ما ادلى به مبعوث الرئيس الأميركي للسودان وجنوب السودان خلال زيارته الأخيرة بضرورة تأمين الحدود المشتركة بين البلدين لضمان استمرارية ضخ النفط الجنوبي عبر الشمال، فإن تلك الانعكاسات شكلت، بحسب مراقبين، ضغوطا على جوبا يمكن من خلالها ان تقدم تنازلات لم تكن لتقدمها لولا الظرف الاقتصادي الحرج الذي تمر به.

شد وجذب

والمتابع لحالة الشد والجذب التي تعتري العلاقات بين الدولتين، يلحظ ان لكل منها اوراق ضغط تمارس من خلاله كلا الدولتين الضغط على الأخر. فالخرطوم، متمسكة بورقة النفط لإدراكها بالحاجة الماسة لجوبا لعائدات النفط من اجل إنقاذ اقتصادها. ولذلك، ظلت تمارس الرفض الدائم لاستئناف الضخ بحجة ان الأولوية لتنفيذ الاتفاق الأمني الذي يوفر الاستقرار للشركات المنتجة. غير ان اكثر ما يهم الخرطوم بشأن الترتيبات الأمنية هو الدعم والإيواء الذي تقدمه دولة الجنوب لمتمردي الحركة الشعبية- قطاع الشمال. وتمترس الخرطوم في موقفها هذا يجعل جوبا دائما ما تلوح بورقة فك الارتباط مع متمردي قطاع الشمال من خلال تمسكها بإعطاء ملف النفط الأولوية وإرجاء مناقشة القضايا الأمنية، لعلمها بانزعاج الخرطوم لما يدور بجنوب كردفان والنيل الأزرق من معارك تستنزف الموارد السودانية يوما تلو الأخر.