الحرب الضارية بين التيار المدني والفصائل الإسلامية في مصر لا تنتهي. وعلى ما يبدو، فإنها سوف تشهد خلال الأيام القليلة المقبلة أحد أهم وأبرز وأخطر حلقاتها وجولاتها، والمتعلقة بالدستور، والذي فرغت الجمعية التأسيسية لوضعه منه منذ أيام؛ ودعا الرئيس محمد مرسي للاستفتاء عليه في 15 ديسمبر الجاري، ليحبس المصريون أنفاسهم انتظاراً لما ستؤول إليه الأوضاع.وبدأت القوى المختلفة في اتخاذ تدابيرها الاحترازية من أجل الاستعداد لتلك «الموقعة»، فيما بدأت في حشد المصريين لصف كل منهما، من أجل دعوتهم لرفض أو قبول الدستور الجديد. فالفصائل الإسلامية تؤيد الدستور الذي يحقق لها أجندتها، وينفذ رغباتها بشكل عام، وخاصة أن من قام بإعداده كان «أغلبية إسلامية» داخل الجمعية التأسيسية، ومن ثم دعوا المصريين للتصويت بالموافقة على ذلك الدستور. وعلى النقيض، تقف القوى المدنية الرافضة لتمريره، والرافضة في الأساس لتشكيل الجمعية التأسيسية نفسها. ومن ثم، فستحشد هي الأخرى أنصارها من أجل رفض هذا الدستور.
لعبة التصويت
وتستخدم كل القوى المتنافسة آلياتها وأسلحتها المختلفة من أجل حشد المصريين لصالحها في ذلك الاستفتاء. فالتيار الإسلامي يجيد «لعبة التصويت الطائفي» ودعوة المصريين للتصويت بالموافقة على الإعلان الدستوري «مرضاة لله»، وهي الآلية نفسها التي استخدمتها الفصائل الإسلامية نفسها في الاستفتاء على مواد الإعلان الدستوري إبان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو الإعلان الذي كانت القوى المدنية ترفضه أيضاً، لكن الإسلاميين استخدموا التصويت الديني أو الطائفي خلاله، ودعوا المصريين للموافقة عليه على اعتبار أنه يأتي «مرضاة لله».
جولة دستورية
وبالتزامن مع دعوات التيار المدني والإسلاميين ومحاولاتهم لحشد المصريين، راح وفد آخر من الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور من المُقرر أن يجوب محافظات مصر لكي يعمل على توعية المصريين بشأن الدستور الجديد، وأبرز المواد، وضرورة الموافقة عليه؛ لتشهد مصر نوعاً من أنواع الاستقرار السياسي، وبدء مرحلة جديدة تسهم في إنهاء المرحلة الحالية التي تتسم بالاضطراب والتخبط على مختلف الأصعدة.
تهديد القضاة
وفي السياق ذاته، فإن هناك عامل تهديد قوياً يواجه الاستفتاء، غير اعتراضات القوى المدنية المختلفة في هذا الشأن، وهو تهديد عدد من القضاة بالامتناع عن الإشراف على ذلك الاستفتاء، وخاصة عقب الإعلان الدستوري الأخير الذي اتخذه مرسي، أخيراً، وغل فيه يد القضاء عن نظر القضايا المتعلقة بالجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور، وخاصة قضية حل الجمعية.. فيقول سكرتير نادي القضاة، المستشار محمود شريف، إن «قضاة مصر يرفضون تغول السلطة التنفيذية، وتغول جماعة الإخوان المسلمين في التعامل مع المواقف الراهنة والملفات المطروحة على المشهد السياسي الآن، ومن ثم فإنهم سوف يواصلون ما بدأوه من حملة اعتراض على قرارات الرئيس الأخيرة وفلسفته في إدارة المشهد السياسي، ومن ضمن خطواتهم المستقبلية هي الامتناع عن الإشراق القضائي على الاستفتاء المقبل».
وما بين اعتراضات قضاة مصر، والاعتراضات المدنية، والتي يواجههما ترحيب إسلامي موسع، تكمن أزمة الاستفتاء على مواد الدستور الجديد، ما يحيط ذلك الدستور بهالة من الغموض، كما يحيط المشهد السياسي بنوع من الارتباك.