في سابقة هي الأولى من نوعها في مصر، قرّرت المحكمة الدستورية العليا تعليق عملها إلى أجل غير مسمى، كنوع من الاحتجاج على حصار الآلاف من المتظاهرين المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين أمس للمحكمة، ومنع أعضائها من النظر في حل الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى، فيما أكدت نائب رئيس المحكمة المستشارة تهاني الجبالي أنها تلقت وزملاؤها من أعضاء المحكمة رسائل تهديد بالقتل والاغتيال وإحراق مبنى المحكمة في حال عقد الجلسة فيه.

ووصفت المحكمة في بيان امس «هذا اليوم بأنه كان يومًا حالك السواد في سجل القضاء المصري على امتداد عصوره»، وقالت: «عندما بدأ توافد قضاة المحكمة في الصباح الباكر لحضور جلستهم، ولدى اقترابهم من مبناها تبيّن لهم أن حشدًا من البشر يطوقون المحكمة من كل جانب، ويوصدون مداخل الطرق إلى أبوابها، ويتسلقون أسوارها، ويرددون الهتافات والشعارات التي تندد بقضاتها، وتحرض الشعب ضدهم، مما حال دون دخول من وصل من القضاة؛ نظرًا إلى ما تهددهم من أذى وخطر على سلامتهم، في ظل حالة أمنية لا تبعث على الارتياح».

تزييف الحقائق

وأضاف البيان: «المحكمة إذ تسجل ببالغ الأسى والألم أن أساليب الاغتيال المعنوي لقضاتها، الذي سبق ممارسته الفترة الماضية من هذا الحشد وغيره ممن ينتمون إليه والذي يتظاهر اليوم ضد المحكمة، هي التي قادت إلى هذا المشهد البغيض المفعم بالخزي والعار بما حمله من تشهير وتضليل وتزييف للحقائق».

وقال البيان: «إزاء ما تقدم فإن قضاة المحكمة الدستورية العليا لم يعد أمامهم اختيار إلا أن يعلنوا لشعب مصر العظيم أنهم لا يستطيعون مباشرة مهمتهم المقدسة في ظل هذه الأجواء المشحونة بالغل والحقد والرغبة في الانتقام واصطناع الخصومات الوهمية، ومن ثم فإنهم يعلنون تعليق جلسات المحكمة إلى أجل يقدِرون فيه على مواصلة رسالتهم والفصل في الدعاوى المطروحة على المحكمة بغير أي ضغوط نفسية ومادية يتعرضون لها».

تهديد بالاغتيال

من جانبها، قالت نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشارة تهاني الجبالي إنها تلقت رسائل ومكالمات تهديد هي وزملاؤها القضاة باغتيالهم وحرق مبنى المحكمة الدستورية العليا. وأشارت الجبالي إلى أن «رئيس المحكمة أجل الجلسة لأجل غير مسمى نظرا لوجود عائق مادي يمنع القضاة من أداء عملهم لوجود حشود من أنصار جماعة الإخوان المسلمين».

وتعد محاصرة المحكمة الدستورية هي الأولى من نوعها منذ إنشائها العام 1931، حيث احتشد المتظاهرون أمام بوابات الدخول للمحكمة منذ الصباح الباكر مرددين هتافات مؤيدة للرئيس محمد مرسي والإعلان الدستوري الذي أصدره، من بينها: «الشعب يريد حل المحكمة الدستورية». كما هتف المتظاهرون: «إسلامية إسلامية رغم أنف الدستورية، والشعب يريد تطهير القضاء، والشعب يؤيد قرار الرئيس»، في إشارة إلى مساندتهم الكاملة لمرسي.

وإزاء هذا الحصار، لم يتمكن أعضاء المحكمة الدستورية من دخول المحكمة، باستثناء ثلاثة من أفرادها غير معروفين لمتظاهري «الإخوان»، ليس من بينهم المستشارة الجبالي عضو المحكمة والمستشار ماهر سامي، نائب رئيس المحكمة والناطق الرسمي باسمها، بعد أن تم تحذيرهما من الاقتراب من المحكمة خوفًا من تعرضهما لأذى من قبل المتظاهرين الغاضبين.

هذا في وقت أكدت مصادر بالمحكمة الدستورية العليا أنه كان بإمكانها حال عدم تمكنها من الانعقاد أن تعقد جلساتها في مقر أي محكمة أخرى، لافتًا أن القانون والدستور يؤكدان أن مقر المحكمة الدستورية العليا هو القاهرة أي العاصمة، ولم يشر إلى ضرورة عقد جلساتها داخل هذا المقر.ويأتي تأجيل جلسة المحكمة الدستورية العليا، التي يتهمها الاسلاميون بتعطيل مؤسسات الدولة المنتخبة في ظل تصعيد جديد للأزمة السياسية الأسوأ منذ تولي الرئيس المصري السلطة بعد أن دعا أول من أمس الى استفتاء في 15 ديسمبر الجاري على الدستور الذي ترفضه كل القوى والأحزاب غير الاسلامية.