توالت التصريحات الأميركية في الأيام الأخيرة،التي تشير باتجاه التمهيد لنقلة نوعية في موقف إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه سوريا. جدّيتها في أنها صدرت مباشرة عن المسؤولين المعنيين وفي مقدمتهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والسفير لدى سوريا روبرت فورد، والذي استدعته الإدارة إلى واشنطن منذ حوالي العام.

كان من المتوقع حصول شيء من هذا القبيل بعد الانتخابات. لكن ليس بهذه العجلة وقبل التعيينات الجديدة في الإدارة. كما ليس بهذه الدرجة. ويبدو أن الإدارة سارعت إلى الاستدراك، في ضوء تسارع الوقائع على الأرض وبصورة تهدّد بانفتاح الوضع السوري على مخاطر هائلة، تتراوح بين «الدولة الفاشلة» أي الصوملة، التي اشار إليها المبعوث الأخضر الإبراهيمي وبين «استخدام الأسلحة الكيماوية» أو سقوطها بأيدي قوى متطرفة، مروراً بتعاظم وجود ودور المقاتلين «السلفيين والأصوليين» على الساحة.

تدابير واحتياطات

يعزّز من الجدّية، أن هذا التوجه واكبته تدابير واحتياطات أمنية غير مسبوقة على حدود سوريا، خاصة الشمالية. وبذلك، بدأت تتكون ملامح نسخة ليبية منقّحة يجري إعدادها للتعامل مع الأزمة السورية، التي يرجح المراقبون أنها ربما تكون دخلت في طورها الأخير؛ الذي لا تتقبّل واشنطن أن يفوتها قطاره من غير أن يكون لها مقعد امامي فيه.

الحديث عن سوريا كان محور الكلمات التي القتها كلينتون وفورد في أكثر من ندوة ومؤتمر بواشنطن أواخر الأسبوع الماضي. سبق ذلك تسريبات إلى بعض وسائل الإعلام تفيد بأن الإدارة تزمع الانتقال إلى دور جديد في سوريا. مدخله الاعتراف بالائتلاف المعارض الذي تمخض عنه لقاء قطر.

«تبدو المعارضة الآن وكأنها صارت قادرة على الاحتفاظ بمواقعها». كلام غير مسبوق. وللتوضيح أكثر، اضافت كلينتون بأن واشنطن «ضالعة إلى حدّ بعيد في مساعدة المعارضة على الوقوف والصمود، كما أننا عازمون على النظر في عمل المزيد مما يمكننا تقديمه». وإذا كان ذلك لا يكفي لإبلاغ الرسالة، فقد تولى فورد وضع النقاط على الحروف بقوله إن المعارضة المعنية «هي الممثل الشرعي لطموحات الشعب السوري وهي تحقق المزيد من التقدم الفعلي. وفي اعتقادي أن موقفنا سيتطور بقدر ما يتواصل هذا التقدم». كما أشار إلى أن موضوع تسليح المعارضة مطروح هو الآخر لإعادة النظر فيه. وهذه أول مرة يكشف فيها مسؤول أميركي عن التسليح الذي طالما تمسكت الإدارة برفضه. ترجمة ذلك أن الاعتراف الأميركي بالبديل السوري المعارض بات على الطريق. بوحسب التقديرات، قد تعلن كلينتون اعتراف واشنطن بحكومة سورية مؤقتة خلال لقاء المغرب في 12 الجاري بمشاركة حوالي سبعين دولة، قد يتبعه إقفال سفارة النظام السوري في واشنطن وتسليمها لممثل تختاره الحكومة السورية المؤقتة.

حلف الناتو

بموازاة جديد الإدارة، تشير مصادر الخارجية الأميركية إلى أن حلف «الناتو» ينوي الإعلان عن موافقته، خلال هذا الأسبوع، على طلب تركيا بنشر بطاريات «باتريوت» على الحدود مع سوريا. وتقول المعلومات أن فريقاً من الخبراء المختصين يقوم منذ أيام بتحديد مواقع هذه المنظومة داخل الأراضي التركية. تدبير وقائي، بقدر ما هو تعبير عن مشاركة غربية، أصرّت عليها تركيا من البداية؛ في حال كان عليها القيام بدور ما في لحظة سورية فاصلة، باتت أقرب من أي وقت مضى.

وبذلك تكون النسخة الليبية المصغرة اكتملت: اعتراف ببديل معارض في الخارج، يتبع ذلك تسليح أطرافه المقاتلة «المأمونة» في سوريا. في الخلفية يلعب باتريوت دور «الناتو»، من غير استبعاد أن تتطور الأوضاع باتجاه إقامة «شريط عازل يفرض حظر الطيران في أجوائه»، بحسب بعض القراءات.