يتلصص ناشط مصري خلسة بين الجالسين في قطار نوافذه متهالكة ومقاعده رثة ومصابيحه مطفأة، ويجول بأنظاره بين الجالسين، ممسكًا بصحائف ووريقات متشابهة، مرتديًا لفافة حول عنقه تحميه من برد الشتاء القارص بألوان علم مصر المميزة، ثم يبدأ في توزيع منشوراته على الركاب الذين يكادون لا يتعرفون لملامحه في عتم الليل. تلك اللفافات ليست الا منشورات سياسية تدعو للثورة على النظام والخروج عليه ورفض سياساته.
ولربما آثر هذا الشاب أن يخرج من محيـط التكنولوجيا وقيد الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي ضاقت به؛ لكي ينزل للشارع في ساعة متأخرة من الليل ويستقل قطاراً ويعرض على المصريين البسطاء ما يقوم بعرضه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤمنًا أن البسطاء هم شرارة وعماد الثورات ليعيد بذلك سلاح المعارضة القديم «المنشورات» في عصر التكنولوجيا، رافضًا أن يحادث الناس ويحادثونه من وراء حجاب التكنولوجيا.
ويجوب محمد علي، 25 عاماً، وهو عضو بائتلاف شبابي لخريجي الحقوق والشريعة والقانون، قطارات الوجه البحري ليلًا ليوّزع منشوراته على الركاب ويُحرض للثورة على الرئيس المصري محمد مرسي. ويقول: «ما دفعنا إلى النزول للشارع والاحتكاك بالمواطنين هو أننا سأمنا دعوات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، وكان لابد أن نحتك بالشارع، وأن نصل إلى رجل الشارع العادي، ومحدودي الدخل والبسطاء من أبناء مصر، وهم كثر وأغلبية تستطيع التحرك وإحداث الفارق، ولما رفضنا سياسات النظام الحالي، والتيار الإسلامي الذي وضعنا عليه آمال كثيرة، قررنا مخاطبة المصريين في القطارات وتوزيع منشورات سياسية على غرار تلك التي كانت توزع ضد الإنجليز والملك في مصر منذ زمن بعيد؛ لأن الاحتكاك المباشر يوّصل الرسالة أسرع، وخاصة أن البسطاء لا يعرفون فيسبوك وتويتر».
وتمخضت تلك الدعوات، وفق ما يؤكده الناطق الإعلامي باسم الائتلاف حسين عبدالرحمن، بسبب سلسلة من القرارات التي اتخذها مرسي أعادت حالة عدم الثقة من النظام الحاكم وعزّزت شبح عودة النظام السابق مجددًا لمصر.
أساليب قديمة
وعن أسباب توزيع المنشورات السياسية في عَتَمَة الليل رغم أن الثورة أفرزت جانبًا من الحرية، يؤكد أعضاء الاتحاد أن هناك جملة من التهم التي وجهت أخيرًا لعشرات الشباب بشأن دعوتهم لـ«قلب نظام الحكم»، فضلًا عن تقديم بعض قادة الرأي للتحقيقات والمحاكمات بنفس التهمة، في بادرة تنذر بعودة أساليب النظام السابق. ومن ثم، فإن الأساليب القديمة في التنكيل بالمعارضين والتضييق عليهم، لابد وأن يواجهها أساليب قديمة أيضًا. ومن هنا، ظهر مجددًا سلاح «المنشورات» التي توزع ليلاً في أماكن نائية أو بعيدة عن أعين الأمن، وفي مجتمع القطار الذي يجمع المصريين من فئات شتى ومختلفة تمامًا.
ومن جانبه، يؤكد أستاذ التاريخ الاجتماعي محمود متولي في تصريحات لـ«البيان» أن المنشورات السياسية التي كانت توزعها عدد من الأحزاب، والتي كان يوزعها الضباط الأحرار، لعبت دورًا مهماً ورائداً في تغيير شكل المشهد السياسي المصري على مدار التاريخ»، مؤكدًا أنه «في حال كان هناك تضييق على الوسائل التكنولوجية فستعود المنشورات المكتوبة».
