من رحم الأزمات والإشكاليات تتولد الفرص والإنجازات، فالأزمة المصرية الراهنة، والتي قسّمت المشهد السياسي المصري في الوقت الحالي إلى فصيلين متناحرين، والمتعلقة بـ«الإعلان الدستوري» الذي أصدره الرئيس محمد مرسي قبل أيام، وعلى الرغم من قسوتها، وحدّتها، فإنها ولدت وجهًا آخر إيجابيا يتمثل في مزاولة المصريين لحقوقهم السياسية عملياً أو ممارسة الديمقراطية بشكل سليم، في مشهد وصفه المراقبون بكونه أشبه بـ«لوحة فنية» سليمة للديمقراطية لا يشوبها أو يعكر صفوها سوى قليل من أعمال العنف والشغب التي تشهدها تظاهرات القوى المختلفة، وذلك بصورة مغايرة تمامًا عن «الديمقراطية المنقوصة» خلال العهد السابق.

طرفا اللوحة

طرفا اللوحة الديمقراطية في مصر، هما فصيلان، الأول التيار المدني الذي نجح في حشد مصريين كثيرين له، ولفكرتهم، إزاء قضية جوهرية بدأ وعي الشارع يتشكل لها، والطرف الثاني هو الإسلاميون الذين يؤكدون حق الرئيس في قراراته لما يتمتع له من شرعية.. وتمخضت جماليات اللوحة الفنية في وجود فصيلين يحشدان أكثر من نصف الشعب لصالحهما، ما يعني تولد وعي شعبي كامل بالوضع الراهن، وبالتطورات السياسية، لتنتهي أسطورة «الأمية السياسية» التي قبع فيها المصريون إبان نظام الرئيس السابق، حسني مبارك، وتصبح مصر أشبه بالدول الديمقراطية التي يتنافس فيها حزبان أصحاب وجهات نظر مختلفة، مثل الديمقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال.وبتلك القرارات، بغض النظر عن تقييمها، نجح مرسي من حيث لا يدري في صناعة «معارضة حقيقة» بدلًا من «المعارضة الكارتونية» أو المعارضة الزائفة التي كان يصنعها نظام مبارك، ليتظاهر بالديمقراطية. وعبّر القيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي، عن ذلك المشهد، مؤكدًا رغم انتمائه للفصيل المؤيد لقرارات مرسي والإعلان الدستوري، كون ذلك المشهد ينم عن زيادة وعي المصريين عقب الثورة، معتبرًا تخوفات التيار المدني من بعض مواد الإعلان الدستوري «في محلها».

الكوادر الناجحة

وبات المشهد الذي رسمته القوى المحتشدة ضد قرارات الرئيس والإعلان الدستوري ومعهما مُحاطًا بأخطار عديدة أيضًا، يحددها الفقيه القانوني البارز، والوزير السابق، أحمد كمال أبوالمجد، قائلاً إن «أبرز ما يعيق التحوّل الديمقراطي في مصر عدم غياب الكوادر الناجحة التي يمكنها إدارة ذلك التحول في وقت يتشكل فيه وعي الجماهير بصورة كبيرة وتنضج، وتزداد الملفات تعقيدًا أيضًا خلاله»، وهذا إلى جانب تخوفات أخرى ودلالات أخرى تعيق هذا التحوّل أبرزها سقوط كثير من المتظاهرين في فخ «استخدام القوة والعنف» لإدارة خلافهم السياسي، ما قد ينذر بتطورات غير مسبوقة قد تؤدي لتحوّل مفاجئ يسهم في تفشي حالة من الفوضى العارمة بالبلد كلها، ما إن لم تنتبه الإدارة المصرية لذلك جيدًا خلال المرحلة المقبلة.ورغم أن قرارات مُرسي وصفت بكونها «عودة لزمن الديكتاتورية»، إلا أنه نجح على الرغم من ذلك في توليد معارضة حقيقة له، وهو نجاح محسوب للثورة المصرية في 25 يناير التي وضعت البذرة الأولى في الأراضي المصرية من أجل أن تنضج وتزهر ثمار الديمقراطية التي تخشى تحولات المستقبل. والمعارضة الجديدة الحقيقية التي رسمها الرئيس المصري عبّر عنها بنفسه في حواره مع صحيفة «ذي تايم» ، لما أشار لتقديره وحرصه على أن يمارس المصريون الديمقراطية، قائلاً: «هم يتحدثون الآن بصوت عالٍ، ويعارضون الرئيس بصوت عالٍ، ويرفضون قرارات، وغير ذلك، وأنا أرحب بهذا كله كل الترحيب.. نحن نتعلم الحرية».