قالت الناشطة السياسية والقيادية السابقة في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل في تونس عبير موسى، إن قانون العزل السياسي الذي تقدمت به حركة النهضة الإسلامية وحلفاؤها إلى المجلس الوطني التأسيسي «يعتبر حلقة من سلسة اجتثاث خطيرة، قضت على حزب له تاريخ وجذور»، واصفةً، في حوار مع «البيان»، قانون العزل بأنه مخالف من الناحية المبدئية لكل المواثيق الدولية والإقليمية والعربية لحقوق الإنسان، وأنه «عمل استبدادي»، حيث اعتبرت أن «سكوت التجمعيين والدستوريين على حل حزبهم كان خطأ كبيراً منذ البداية، وفتح الباب لاتهامهم بأبشع التهم، وشيطنتهم وتحميلهم المسؤولية الكاملة عن كل أخطاء النظام السابق»، فيما أشارت إلى «خطة ممنهجة للقضاء على كل أثر للحركة الدستورية، حيث كانت نتائج انتخابات أكتوبر العام الماضي، نتيجة حتمية لحل التجمع، وبداية الاستئثار بالسلطة من خلال قانون الإقصاء، المراد تمريره تحت غطاء تحصين الثورة». وفي ما يلي نص الحوار:

كيف ترين مشروع قانون العزل السياسي، وإلامَ يهدف، ومن يستهدف بالأساس؟

هذا المشروع المقترح مؤخراً داخل المجلس التأسيسي هو الحلقة الثالثة من حلقات مسلسل الإقصاء السياسي، الذي استهدف التجمعيين منذ 14 يناير 2011، ذلك أن أول حلقة كانت حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في مارس 2011، وهي عملية اجتثاث خطيرة قضت على حزب له تاريخ وجذور تمتد إلى أوائل القرن العشرين، وقاد الحركة الوطنية وحرر البلاد من المستعمر. أما الحلقة الثانية، فكانت سن الفصل 15 ضمن المرسوم المنظم لانتخابات المجلس التأسيسي، والذي منع عشرات الآلاف من التونسيين من الترشح إلى انتخابات المجلس، لمجرد انتمائهم السياسي للتجمع، وتقلدهم وظائف معينة، أو وجود أسمائهم ضمن المناشدين للرئيس السابق، رغم عدم وجود قائمات مضبوطة ومثبتة بالحجة الدامغة لوجود إمضاءات شخصية للمناشدين.

 وأقل ما يقال في هذا المشروع الحالي المقترح من النهضة وحلفائها، إنه مخالف من الناحية المبدئية لكل المواثيق الدولية والإقليمية والعربية لحقوق الإنسان، والتي تحجر التمييز بين المواطنين على أساس الفكر والانتماء، وتمنع من تأويل فصولها بطريقة تشرع للتمييز أو مضايقة الناس من أجل أفكارهم وانتماءاتهم، هذا، كما أنه قانون مناهض للتشريع الوطني التونسي الذي ينص على أن العقوبة تكون شخصية، وليست جماعية. ويعتبر هذا عملاً مستنكراً سياسياً وأخلاقياً، ويجسد أخطر نوع من أنواع الديكتاتورية والاستبداد، ويمثل أكبر دليل على أنه لا وجود لمسار انتقالي ديمقراطي.

ألا تعتقدين أن تشتت التجمعيين والدستوريين هو الذي منعهم من حماية أنفسهم؟

صمت التجمعيين والدستوريين على حل حزبهم كان خطأ كبيراً منذ البداية، وفتح الباب لاتهامهم بأبشع التهم، وشيطنتهم وتحميلهم المسؤولية الكاملة على كل أخطاء النظام السابق، لأن صمتهم فسر على أنه اعتراف بارتكابهم لكل الجرائم والفساد والمخالفات. والمؤسف أن التجمعيين و«الدساترة» سقطوا في فخ الانقسام والخلافات.

انقلاب وعزل

هل ترين أن مشروع الإقصاء يهدف إلى الانقلاب على طبقة سياسية بالكامل؟

هذا مؤكد وثابت. وقلت منذ مرافعتي في قضية حل التجمع الدستوري إن هناك نية واضحة وخطة ممنهجة للقضاء على كل أثر للحركة الدستورية من خلال تزوير تاريخها وطمس منجزاتها وتشويه رموزه.

وكانت نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011، نتيجة حتمية لحل التجمع، وتشتيت منخرطيه، في ظل عدم قدرة اليسار الذي ظن خطأ أنه المستفيد من اندثار «الدساترة»، على احتلال مواقع وافتكاك السلطة، واليوم تتأكد النية في مواصلة فسح المجال للفائزين بانتخابات 23 أكتوبر للاستئثار بالسلطة في الانتخابات المقبلة، من خلال قانون الإقصاء المراد تمريره تحت غطاء تحصين الثورة.

يقول أنصار العزل السياسي، إن التجمع لم يكن حزباً، وإنما هو واجهة لحماية وتحصين الديكتاتورية، ماذا تقولين في ذلك؟

التجمع حزب له تاريخ يمتد إلى قرابة القرن من الزمن، وهو امتداد للحزب الدستوري الذي قاد تحرير تونس. وزين العابدين بن علي لم يحكم بالتجمع فقط، بل يجب ألا ننسى أن مختلف القوى السياسية بالبلاد ساندت توليه الرئاسة، وأمضت في 1988 على الميثاق الوطني هذا، كما كانت تسانده أغلب الهياكل المهنية والنقابية الفاعلة في المجتمع على امتداد 23 عاماً، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي زكى ترشحه لانتخابات 2009، واعتبر مكتبه التنفيذي ذلك الموقف من باب المحافظة على المصلحة العليا للوطن، وفضلاً عن ذلك، فإن الشعب التونسي بكامله ساهم من جهته في تركيز أسس النظام السابق من خلال صمته، ولا بد لكل الأطراف أن تتحمل قسط المسؤولية الملقاة على عاتقها.

أيهما أفضل، زمن ما قبل الثورة أم زمن الثورة؟

قبل الثورة كانت وحدة الشعب التونسي ثابتة، ولم نلاحظ خطاباً يقسمنا إلى إسلامي وعلماني وسلفي وأعداء الشعب وأحباب الشعب، وغير ذلك من التقسيمات التي نشهدها اليوم، كما كان مصدر العنف والاستبداد والديكتاتورية معلوماً، وتحتكره الدولة دون غيرها، لكن اليوم تمارس الديكتاتورية من عدة جهات، وأصبح بعض الأشخاص يسمحون لأنفسهم بالانتصاب بدل مؤسسات وهياكل الدولة والسلطة القضائية، ويقومون بمصادرة حقوق غيرهم وشيطنتهم وتشويههم وعرقلتهم مهنياً واجتماعياً، والتحريض ضدهم وتعنيفهم لفظياً وجسدياً، تحت غطاء حماية الثورة والتصدي لأعداء الثورة. الوضع الحالي لا يمكن تصنيفه ضمن الديمقراطيات، أو حتى ضمن المسار الانتقالي نحو الديمقراطية، لأنه مبني على إقصاء فئات واسعة من التونسيين.

هناك سعي لمنع كل رموز النظام السابق من الظهور إعلامياً، فكيف تواجهون هذا الحصار؟

نعم هذا صحيح، وتتدعم هذه النية من يوم إلى آخر، من خلال تحركات بعض الوجوه التي ركبت على الأحداث، وأصبحت تقدم نفسها كوصية على الذوق العام، ومقدمة على الشعب التونسي الذي تعتبره قاصراً ومحجوراً عليه ولا إرادة له.

وهذا التوجه خطير جداً، لأنه يدل دلالة واضحة على تخوف بعض الأطراف من بعض وجوه النظام السابق، الذين يحظون باحترام من قبل فئات واسعة من المجتمع، والذين يمكن أن يلاقوا استحسان المشاهد أو المتتبع لوسائل الإعلام عموماً ويفندون الصورة الشيطانية القاتمة التي رسمتها هاته الأطراف لكل من عمل في أي مسؤولية بالنظام السابق، من خلال رصانتهم وخبرتهم وهدوئهم، ويمكن أن يؤثروا في المواطن التونسي الذي بدأ يستفيق من تأثيرات الشعارات السياسية التي رفعت بعد 14 يناير 2011، وبدأ يشعر أن وضعه لم يتغير، وأنه لم ينتفع فعلياً بثمار الثورة.