بعد أن كانت تضج بالحياة، سكنها الموت. وبعد أن كان السوريون يقفون بتعجب من أبنائها الذين عرفت عنهم روح النكتة في أحلك الظروف؛ بات الحزن بديلاً لتلك الابتسامات التي تسخر من المأساة. ففي حمص «لا مال ولا طعام ولا دواء ولا كهرباء.. نحن نقتل بكل الوسائل والأساليب القديمة منها والحديثة»، قالها الرجل الأربعيني محمود عبد المنعم. عبدالمنعم أب لخمسة أطفال يعاني ما يعانيه من أجل تأمين لقمة عيشه وإياهم. وكغيره من أهالي حمص المنكوبة أصبح يعاني من فقدان المواد الغذائية الأساسية ويخاف من مستقبل أولاده المجهول. ويقول عبدالمنعم: «نستيقظ كل يوم صباحاً لتبدأ رحلة البحث عن مادة الخبز التي هي أساس غذاء أطفالنا لنجوب العديد من الشوارع وأحياناً لساعات طويلة حتى نجد مخبزاً يبيع الخبز فمعظم المخابز قد أغلقت أبوابها لعدم توفر الطحين والوقود». عيسى عثمان هو أحد سكان حي باب الدريب الشعبي رب أسرة تتألف من تسعة أشخاص تحدث عن معاناة الأسرة الحمصية قائلاً: «منذ عام ونصف ونحن نعاني من الحصار والتجويع والقتل ومن الطبيعي وبعد كل هذه الفترة توقف الإنتاج الزراعي في حمص، ما يعني نفاد الخضار والفواكه التي كانت تصل إلى الأسواق وبكميات قليلة جدا. تقترب حمص للمجاعة، وحتى لو امتلك المحاصرون هناك المال فما يفعلون به؟». يضيف عثمان: «لو تجولت في الأسواق أو ما كان يدعى أسواقاً سابقا لن تجد مواد غذائية وإن هي وجدت فبكميات ضئيلة جداً وأسعار عالية أيضاً». وأثناء جولة لـ «البيان» في ذات الحي، كان الطبيب عبد الرزاق جمعة وهو طبيب مشغولا في العمل بالمشفى الميداني هناك. ويقول جمعة: «تصلنا يومياً حالات عديدة ومختلفة من الأمراض الناتجة عن سوء التغذية خاصة من الأطفال فتدهور الوضع الغذائي هنا جعل مناعة الأطفال في أضعف حالاتها. إلا أن شح الدواء وتدهور الخدمات الصحية وفقدان أغلب الأدوية والأجهزة الطبية أدى لوفيات كثيرة تتزايد يوماً بعد آخر». وعديدة هي العقوبات التي يتعرض لها الحمصيون «لكن أكبرها قذائف وزنها نصف طن أما أقلها فقطع التيار الكهربائي»، بحسب ما قال رب احدى الاسر مؤيد عجوب.