على مدى خمسة أيام متتالية، تواصلت الاحتجاجات العارمة في القطاعات النقابية والمهنية المصرية فيما شهدت عدة مدن بالبلاد اشتباكات حصدت روح شابين وأسقطت المئات من الجرحى وذلك في رد فعل مزلزل على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المصرى محمد مرسي الخميس الماضي وأثار أزمة حادة بين السلطتين القضائية والتنفيذية وأحدث حالة من الانقسام في الشارع المصري.
وقد أولت وسائل الإعلام الصينية اهتماما بالغا بما يدور حاليا في مصر واحتلت تقارير وتحليلات إخبارية حول "الصراع على الدستور بمصر" الصفحات الرئيسية للصحف والمجلات الصينية، وأكد محللون صينيون أن هذا النزاع سوف يترك دون شك أثرا عميقا على المجتمع المصري ومستقبله، مستبعدين فى الوقت نفسه احتمال توجه مصر نحو "ثورة جديدة" على غرار "ثورة يناير".
رغبة مرسي في ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد
وفي مقالة تحت عنوان "مرسي يريد ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد"، حللت صحيفة ((النور)) الصينية الشهيرة تحرك مرسي الأخير بأنه يحمل ثلاث دوافع سياسية:
أولا : كسب المزيد من دعم الشعب، إذ أن المواطنين المصريين يشعرون بخيبة أمل شديدة إزاء الأحكام الصادرة بحق بعض المسؤولين عن قمع المتظاهرين أبان ثورة 25 وكذا إزاء عدم مثول بعض اؤلئك المتورطين في قمع المتظاهرين أمام العدالة، لذا أصدر مرسي استجابة لمطالب الشعب هذا الإعلان الذي يعد بإعادة التحقيقات والمحاكمات في جرائم قتل المتظاهرين وأقدم أيضا على إقالة النائب العام عبد المجيد محمود رغم فشله من قبل في ذلك.
ثانيا: الهيمنة على السلطة التشريعية: يرجع تصاعد الأزمة مع المحكمة الدستورية العليا إلى ما قبل تولى مرسي منصبه الحالي عندما قررت المحكمة الدستورية في يونيو الماضي حل مجلس النواب الجديد الذي احتل 47 في المائة من مقاعده حزب الحرية والعدالة (الذي ينتمى إليه مرسي ويعد الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين)، وكان ابطال المحكمة لقرارين أصدرهما مرسي بالغاء حكم المحكمة المتعلق بحل البرلمان وتعاونها مع الجيش بغية إضعاف سلطة مرسي كانا سببين في "اعلان الحرب" على المحكمة الدستورية، ولا سيما بعد نجاح الرئيس الجديد في السيطرة على الجيش من خلال إقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان العامة في الصيف الماضي، لذا بات إصدار اعلان دستوري يحصن الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة الصادرة عن رئيس الجمهورية بحيث تكون نهائية ونافذة وغير قابلة للطعن عليها أمرا متوقعا.
ثالثا: كسب الوقت وتهيئة الظروف لتمرير دستور إسلامي : في ضوء العمل الجاري حاليا على قدم وساق لوضع دستور جديد لمصر من قبل الجمعية التأسيسية المعنية بوضع الدستور البالغ إجمالي عدد اعضائها 100 شخص ومعظمهم من الإسلاميين ، تواترت أنباء في الأسبوع الماضي عن عزم الجهات القضائية على حل الجمعية بعدما أعلن 25 عضوا من التيار اليساري والمستقلين رفضهم المشاركة في أعمال الجمعية بسبب رغبة الأعضاء الإسلاميين في الجمعية تضخيم سلطة الإسلاميين من خلال تمرير دستور إسلامي ، إذ ان الإعلان الدستوري الجديد ينص على انه "لا يجوز لأية جهة قضائية حل الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور" كما قرر منح الجمعية شهرين اضافيين حتى فبراير من العام القادم للانتهاء من أعداد الدستور، الأمر الذى يضمن للجمعية وضع دستور جديد إسلامي دون أية عواقب.
مخاوف من تشديد انقسام المجتمع المصرى واستمرار الفوضى
وقد اختتم اللقاء بين الرئيس محمد مرسي وأعضاء المجلس الأعلى للقضاء دون التوصل إلى نتيجة ملموسة، حيث أكد المتحدث باسم الرئاسة ياسر علي انه لا تعديل على الإعلان الدستوري بعد ان كانت المعارضة قد دعت إلى تظاهرات حاشدة اليوم (الثلاثاء) رافضة "أي حل وسط" ومطالبة بالغاء الإعلان برمته.
وأعرب كثير من المحللين الصينيين عن مخاوفهم من أن يؤدى النزاع الدائر حاليا الى مزيد الانقسام في المجتمع المصرى بين مؤيدي مرسي ومعارضيه بمختلف توجهاتهم السياسية، مشيرين إلى ان مصر تقف مرة أخرى عند "مفترق طريق تاريخى جديد".
وقال تيان وون لين الباحث فى المعهد الصينى للعلاقات الدولية المعاصرةإن الأزمة الحالية أمر طبيعى يظهر في أى مجتمع يمر بمرحلة تحول عميقة خاصة في دولة مثل مصر التي تتراكم فيها تناقضات شديدة ومطالبات سياسية واقتصادية مختلقة من شتى الفئات السياسية والطبقات الاجتماعية بعد كسر شوكة نظام قديم وقبل إنشاء نظام جديد.
وأكد تيان وون لين أن الأزمة الحالية تحمل في طياتها تأثيرات كبيرة على الشعب المصري بجميع فئاته وسوف تترك أثرا عميقا على مستقبله، وإن أسلوب معالجتها يعد بمثابة اختبار لقدرة السلطة المصرية والشعب المصري على حد سواء.
وأوضح تيان أن مصر بقيادة الرئيس مرسي لا تزال تواجه الكثير من المشكلات التي تقف في طريقها نحو الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي على الرغم من الاجراءات الجريئة التي اتخذها مرسي في ادخال تعديلات على القوات المسلحة المصرية ونجاحه على الصعيد الدبلوماسي.
وحلل تيان الوضع قائلا ان تحقيق مرسى لطموحاته بإعاد ة بناء المجتمع المصرى والنهوض به يبدو مستحيلا ، لانه يواجه امرين متناقضين فى آن واحد: فالشعب المصرى يأمل من مرسي إدخال إصلاحات جذرية على نظم المجتمع القديمة وتنمية الاقتصاد وتحسين ظروف معشية الشعب، لكنه فى الوقت نفسه، يعارض بشدة منحه سلطات مطلقة تمكنه من التصرف كما يشاء، وهو السبب الحقيقي وراء ما تشهده مصر حاليا.
كما أعربت صحيفة ((الشعب)) الصينية الكبرى في مقالة لها عن القلق ازاء احتمال اتساع نطاق الاحتجاجات وتزايد حدة النزاع بين القوتين العلمانية والدينية، ما قد يلحق الضرر بتحقيق الاستقرار في مصر ويطيل مرحلتها الانتقالية.
آمال وتوقعات بتهدئة الوضع فى مصر
وبعد ما شهدته مصر في الأيام الأخيرة من سقوط قتلى وجرحى بين المتظاهرين، أبدى الرئيس مرسي والقوة الإسلامية شيئا من التراجع في موقفهما حيث أكد مرسي يوم الأحد ان الصلاحيات الموسعة والمطلقة التي منحها لنفسه قبل أيام هي مجرد إجراء "مؤقت"، بينما قررت جماعة الإخوان المسلمين والاحزاب السلفية يوم الاثنين إلغاء التظاهرة التي كانوا يعتزمون اقامتها الثلاثاء في القاهرة "لتجنب أية احتكاكات واشتباكات" مع التظاهرة التي تنظمها الثلاثاء أيضا القوى المعارضة للإعلان الدستوري.
وتعليقا على هذا، قال لي قوو فو الباحث في معهد دراسات غرب آسيا وإفريقيا التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية انه على الرغم من أن هذين الاجرائين لا يكفيان لتخفيف حدة الخلافات بين القوتين العلمانية والدينية، إلا انه مازال من المبكر للغاية توقع انفجار نزاع واسع النطاق بين القوتين وإنزلاق المجتمع المصري في حالة من الفوضي وعدم الاستقرار قد تدفع مصر إلى نفس الأجواء التي عاشتها في "ثورة يناير" العام الماضي.
ولفت لي قو فو إلى انه فى الفترة القادمة، ستشهد القوتان صراعا محتدما، ولكنهما ستتواصلان فيما بينهما وتقدمان تنازلات مقبولة للآخر ، لتتوصلا في نهاية المطاف إلى اتفاق يعيد توازن السلطة.
وفى هذا الصدد، أعربت الصين عن أملها فى ان تحافظ مصر على الاستقرار السياسى والاجتماعى بالرغم من الاشتباكات العنيفة التي وقعت مؤخرا في البلاد .
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية هونغ ليه خلال مؤتمر صحفى يوم الاثنين في بكين "نأمل في ان تتمكن مصر من الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي من أجل تعزيز عملية الانتقال السياسي بطريقة منظمة".
وأكد يانغ قوانغ مدير معهد دراسات غرب آسيا وإفريقيا التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية ان نجاح نظام مرسي يتوقف على كيفية تناوله للعلاقة مع مختلف القوى القائمة بالمجتمع المصري، وعلى رأس ذلك التعامل مع القوى القديمة المنبثقة عن نظام حسني مبارك وتبني دستور يلبي تطلعات المواطنين المصريين بكافة طبقاتهم من أجل إرساء السلطة على أسس سليمة والمساعدة في تهيئة ظروف ملائمة لتنمية الاقتصاد ، متوقعا أن يحتاج نظام مرسي إلى فترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات لعبور المرحلة الانتقالية هذه.
