مع أن أسباب اندلاع الثورة، وحّدت السوريين في جميع أماكن تواجدهم، دون الخوض في حيثيات كل منطقة على حدة، إلا أنّ ريف دمشق كان أكثر المواضع تأهلاً لإشعال الثورة، وهو ما توقعه مكتب الأمن القومي عند دراسته للأماكن المرشحة للانفجار بعد زلزال الثورة التونسية..

إذ رأى أن المنطقة المرشحة لذلك هي ريف دمشق، وأن القضاء على ثورتها سيكون عبر الاستعانة بأهالي حوران، على اعتبار أن محافظة درعا هي معقل أساسي من معاقل حزب البعث ومسقط رأس عشرات المسؤولين في النظام الحاكم.

لم تكن ثورة الريف الدمشقي مفاجئة لمن يعرفون هذه المنطقة الشاسعة مترامية الأطراف، والتي تتوزع بين حدود لبنان والأردن، فالظلم الذي وقع على أهلها طوال سنوات طويلة كان كافياً لكي يفجر ثورات، لو كانت ظروف البلاد طبيعية ولم يكن يحكمها هذا العدد الكبير من الأجهزة الأمنية؟!

ورغم أن مصطلح ريف دمشق، كبير وفضفاض، ولا يعبر عن وحدة جغرافية أو بيئية، إلاّ أن ما عاناه هذا الريف كان كفيلاً بتوحيد أهله إلى جانب بقية السوريين، وراء هدف واحد هو التخلص من هذا النظام بأي شكل من الأشكال..

فمعاناة أهالي وادي بردى تختلف من حيث الشكل، عن معاناة أبناء الغوطة الشرقية والمرج. والظلم الذي وقع على الغوطة الغربية يختلف عما حدث مع أهالي القلمون ووادي العجم، فلكل منطقة من هذه المناطق خصوصيتها وحصتها من الظلم.

الغوطة الشرقية

فإذا أخذنا الغوطة الشرقية، وهي تاريخياً إحدى مواطن الغساسنة الرئيسية، وأغنى أرباض دمشق وأكثرها خصباً وغلّة، نجد أنها تعرضت، ومنذ مطلع السبعينيات إلى زحف عمراني عشوائي غير مسبوق، استطاع خلال سنوات قليلة، أن يقضي على خضرتها ويحولها إلى غابة من الاسمنت، تعاني من الترفع الحروري، وتطاير الغبار واستفحال العطش.

وكان للتجمعات العمرانية العشوائية التي أقيمت في بساتين الغوطة أمثال: عشوائيات جرمانا والطبالة ودويلعة والكباس، بالإضافة إلى المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية التي تم الاستيلاء عليها، بدعوى إقامة الثكنات العسكرية والرحبات، والأراضي المستملكة لصالح الخطط التنموية المزعومة، التي أقامت مصانع غير صديقة للبيئة، ودباغات لوثت مياه الغوطة وتفرعاتها السبعة، بحيث حولتها إلى مستنقع آسن بالروائح الكريهة..

كل ذلك جعل أهالي الغوطة يشعرون بالظلم الشديد، والإحساس العميق بتعمد تخريب حياتهم، فكان مرجل الغضب يغلي في صدورهم، بانتظار لحظة الثورة.

الغوطة الغربية

وإذا أخذنا الغوطة الغربية، وهي تضم: المزة وداريا والمعضمية وصحنايا وجديدة عرطوز وعرطوز، فسنجد نوعاً آخر من الظلم عانته هذه البلدات الكبيرة التي تشبه المدن كما قال يوماً الجغرافي الشهير الشريف الإدريسي، ففي هذه المنطقة اقيمت ثكنات سرايا الدفاع، والتي ورثتها فيما بعد الفرقة الرابعة، وأنشئت الضواحي السكنية الكبيرة عبر استملاء الأراضي من أهلها دون مقابل يذكر، مثل ضاحية السومرية على أراضي المعضمية، وضاحية ضباط الداخلية على أراضي المعضمية أيضاً، وضاحية يوسف العظمة للحرس الجمهوري على أراضي جديدة عرطوز، وضاحية مساكن سرايا الصراع على أراضي جديدة عرطوز، بالاضافة إلى مقر ألوية الفرقة الرابعة الممتدة من يعفور إلى تلال المعضمية.

وكان من شأن هذه المصادرات تحويل أهالي المعضمية إلى ضيوف في بلدتهم التي تعد أكبر بلدات ريف دمشق من حيث اتساع الأراضي. والأمر يمكن أن ينسحب أيضاً على داريا، التي فقدت في فترات سابقة معظم أراضيها الزراعية عند إنشاء مطار المزة العسكري، وإقامة ضاحية للحرس الجمهوري في الجهة الغربية منها.

ناهيك بمشكلة أهالي المزة المستعصية، والتي قضت الاستملاكات على معظم أراضيهم، التي تحولت إلى تجمعات عشوائية مثل المزة 68 وثكنات عسكرية للحرس الجمهوري والفرقة الرابعة. فكانت الغصة بحجم المأساة، ومرجل الغضب كان يفور في صدورهم بانتظار انطلاق الثورة.

المرج

أما منطقة المرج التي تضم يلدا وببيلا وراوية التي أصبح اسمها السيدة زينب، والذيابية والحسينية والبحدلية والبويضة وحجيرة وسبينة والحجر الأسود، فهي تضم في جنباتها مأساة نازحي الجولان السوري المحتل، والذين أسكنوا هذه المناطق في ظروف غير إنسانية، حيث الاكتظاظ وانعدام الخدمات وقلة الماء والكهرباء، وكان سكان هذه الأحياء العشوائية غير منشغلين بترتيب مساكنهم لأنهم ينتظرون العودة إلى ديارهم المحتلة، ولكن الانتظار طال، فكانوا بانتظار شرار الثورة.

وادي العجم

ولإقليم وادي العجم الواقع على سفح جبل الشيخ الغربي، من بيت جن ومروراً بسعسع وكناكر، وكوكب وصولاً إلى الكسورة ودنون، قصة من نوع آخر، فخطوط الهدنة التي رسمها الوسيط الأميركي بين القوات المحتلة وقوات الجيش السوري بعيد حرب تشرين، حولت مناطقهم إلى معازل عسكرية، يمنع الدخول إلى أغلبها من دون تصريح أمني من فرع سعسع أو فرع المنطقة.

وكان لذلك آثار سلبية على حياتهم، فلا الجيش الذي تحملوا أعباءه على مصدر رزقهم، وخصوصاً في سعسع وكناكر والكسوة، يريد ان يحرر الأراضي المحتلة، ولا هو معتقهم من هذا الجمود الرهيب، ولذلك كانت الثورة بالنسبة لهم شعاع امل ينقلهم من حال إلى حال.

القلمون ووادي بردى

وإذا انتقلنا إلى منطقة جبال القلمون، فالمشكلة من نوع آخر، إذ عانت هذه المنطقة الجبلية الوعرة من التهميش والاهمال لسنوات طويلة، ولولا عمل أبنائها في الخليج واميركا اللاتينية لما كان فيها أي مظهر من مظاهر الحضارة، فمنطقة التل ومعربا تم اقتطاع جزء من أراضيهما وأقيمت عليه منطقة للملاهي الليلية، وقرية الدريج تحولت إلى معسكر تدريبي للوحدات الخاصة، وحلبون وعين الصاحب كانت قد تحولت قبل سنوات إلى معسكرات للفدائيين.

أما وادي بردى، الذي يبدأ من الهامة وقدسيا مروراً بجديدة الوادي وأشرفية الوادي والديماس وصولاً إلى الزبداني، فتمت تصفية أراضيه بحجة إقامة المشاريع السياحية، وتم الاستيلاء على جزء كبير من أراضيه لصالح الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة التي اقامت معسكرها التدريبي على اراضي قرية التكية، والمخابرات العسكرية التي أقامت معسكرها على أراضي ميسلون التابعة للديماس، كما أقيمت الضواحي السكنية العسكرية في مختلف أرجائه مثل قرى السد ومساكن الصبورة ومساكن الديماس بالاضافة إلى مدرسة السواقة العسكرية في الديماس، ومجمع صحارى السياحي التابع لاتحاد نقابات العمال، ونادي الرماية ونادي الفروسية وغيرها من الأندية التي التهمت أراضي المزارعين وحولتهم إلى مهاجرين اقتصاديين في دول الجوار.

ظلم مكثف

اشتعلت كبرى مدن الريف الدمشقي مبكراً بالثورة التي انطلقت ضد حكم بشار الأسد في مارس 2011 كما في دوما وحرستا والمعضمية وداريا والتل والزبداني.. الأمر الذي جاء كما يرى مراقبون- نتيجة لتراكمات وسياسات خاطئة مورست بحق أبناء المحافظة وأفقدتهم الكثير من مصادر دخلهم، وقضت على الكثير من الأراضي الزراعية التي كانوا يعتاشون منها.

إذن، كان الريف الدمشقي انموذجاً مكثفاً للظلم الذي عانته سوريا من اقصاها إلى اقصاها، من خطط التنمية، ونهب الأراضي الزراعية وتحويلها عشوائيات وضواحي سكنية ذات طبيعة عسكرية، والتغول على الغطاء النباتي الذي كانت تفاخر به، وتلويث مصادر المياه عبر مشاريع صرف صحي وهمية ذهبت تكاليفها إلى جيوب حفنة من رجال السلطة.

ثورة الريف الدمشقي كانت حتمية، ولو لم تكن درعا هي المهد.. لكانت شرارة أخرى ستشعل هذا الغضب المستعر في هذه الأنحاء.

 

 

إضاءة

 

 

 

تم إحداث (محافظة ريف دمشق) بتاريخ: 20/1/1972 في عهد الأسد الأب، وهي تشغل حوالي 10% من المساحة الإجمالية لسوريا، بمساحة كلية (18.018 ألف كيلومتر مربّع ويقطنها اليوم أكثر من أربعة ملايين نسمة.

تضم محافظة ريف دمشق تسع مناطق: 27 ناحية، و28 مدينة، و190 قرية و82 مزرعة وتمتاز بتنوع تضاريسها وطبيعتها.

تحيط محافظة ريف دمشق بالعاصمة التي ارتبطت بها تاريخياً، وكانت مصدرا غذائياً لها وخصوصا في الخضراوات والفواكه التي تتمتع بسمعة طيبة بسبب المياه العذبة التي تسقيها وجودة وخصوبة التربة في الغوطتين الشرقية والغربية.

يسوّر الريف الدمشقي العاصمة بشكل شبه دائري مع امتدادات في جميع الاتجاهات... إلا أن هذه الصورة بدأت تتغير في العقود الثلاثة الأخيرة، بسبب التوسع العمراني غير المنظم، ناهيك عن تمركز الكثير من الصناعات في محافظة ريف دمشق حيث أن أغلب المصانع ومنذ فترة طويلة راحت تلتهم الأراضي الزراعية.