الإشادة الأميركية بالرئيس محمد مرسي لمساعدته في وقف إطلاق النار في غزة، انقلبت في أعقاب مرسوم توسيع الصلاحيات الرئاسية؛ إلى شكوك وتوجس، تؤشر إلى أن العلاقات التي بدت واعدة بين واشنطن والقاهرة سائرة نحو التأزم. التوصيفات الأميركية تراوحت بين وضع النظام المصري الجديد في خانة «العودة إلى الفردية والاستئثار»، وبما يزيد على أيام مبارك وبين تصنيفه تحت عنوان «الفرعون الجديد».
إدارة أوباما التي نامت شاكرة ليلة عيد «الشكر» ـ الخميس الماضي ـ لدور مرسي كضامن في تحقيق ما اعتبرته انجازاً دبلوماسياً لها، فاجأها الرئيس المصري بخطوته التي رأت فيها «تراجعاً عن تفاهمات ووعود»، جرت بينها وبين «الاخوان» بعد انهيار نظام مبارك. تفاهمات يقول الأميركيون ومنهم الرئيس الأسبق جيمي كارتر، حول مسألتين أساسيتان: الانتقال بمصر نحو الخيار الديمقراطي واستمرار الالتزام بمعاهدة كمب دافيد مع إسرائيل. في المقابل تواصل واشنطن الدعم والمساعدات للنظام الجديد، والتي كان آخرها القرض الذي طلبته مصر من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.5 مليارات دولار، والتي ساعدت الإدارة على تأمين الموافقة عليه. كما تعاملت واشنطن مع المرسوم وتداعياته من باب أنه يهدّد بنسف الصفقة التي كانت وراء وقف النار، والتي كان محورها تأهيل الجناح السياسي من «حماس»، وتغليبه على الجناح المتشدد. فالارتداد التقطه جناح القيادي محمود الزهار، الذي سارع إلى الإشادة بالدور الإيراني في التسليح. محاولة بدت موجهة إلى قطع الطريق على تلميع خالد مشعل من جديد، كقبطان لسفينة إدخال «حماس» في اللعبة السياسية التي سلكها «الاخوان» في مصر. صراع مصري إيراني حول غزة، تدعمه واشنطن. خاصة وأن الرئيس مرسي وعد، كما يتردّد في واشنطن، بأن تتولى مصر منع وصول الأسلحة الصاروخية إلى القطاع بعد اليوم.
لكن للرئيس المصري حسابات أخرى، يرى المراقبون أنه كشف عنها بتسرّعه في قبض ثمن دوره: يعطي في غزة ويأخذ في القاهرة. معادلة أغاظت واشنطن. والأخطر أنها فجّرت التناقضات المصرية والفلسطينية. بالنهاية أدّى وقف نار العدوان على غزة من خلال مشروع تأهيلي سياسي، إلى عودة الأوضاع في الساحتين إلى المربع الأول. وربما إلى ما دونه. مما يزيد من انكشاف الاثنين، فضلاً عن إعطاء الذريعة لنتانياهو، الذي لا يحتاج أصلاً إلى مبرر، للتملص من الشق الثاني من اتفاق وقف النار والقاضي بالتفاوض حول فك العزلة الخانقة عن القطاع.
في ميزان المنطق، كان من المفترض أن يؤدي العدوان الإسرائيلي على غزة إلى تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية. في أقله داخل القطاع. كما كان من المفترض أيضاً أن يؤدي الدور البارز الذي لعبه الرئيس المصري محمد مرسي في وقف النار، إلى تعزيز التوجه الجامع للنظام في الداخل وإحياء الثقل المصري في المنطقة. لا الأول متوقع. بل ان نقيضه مرشح للتفاقم. ولا الثاني كان له أثر. بل على العكس، انتهى المسعى المصري إلى الاستعجال في قبض ثمنه بالاتجاه الخطأ. فات القيادة المصرية أن البلد ما زال شديد الحساسية إزاء أي تدبير يشي بالاستئثار، حتى ولو كان لا ينشده حسب زعمه. كما فات الجناح المتشدد في قيادة «حماس»، مرة اخرى، بأن الانتصار الحقيقي في الوقت الحالي على العدوان الإسرائيلي؛ يكون أولاً في التغلب على أزمة الوحدة الوطنية الفلسطينية واستعادة لحمتها. لكن في الحالتين كانت الغلبة كالعادة، لحسابات تشديد القبضة الوحدانية على السلطة والحكم وبالتالي تسعير التنافر الداخلي. وكأن قدر هذه المنطقة أن يتعمق اشتباكها مع نفسها بعد كل عدوان إسرائيلي. وهذا كان وما زال، أهم مكسب للدولة العبرية.