سيطر الجيش السوري الحر أمس على مدينة الميادين الاستراتيجية في شرق سوريا، مستكملاً بذلك تحرير المنطقة الممتدة من نقطة البوكمال الحدودية إلى مدينة دير الزور، فيما اندلعت اشتباكات عنيفة بين مقاتلين من جبهة النصرة ومسلحين أكراد في شمال شرق سوريا.

وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن في اتصال مع «فرانس برس» ان «المنطقة التي تمتد من الحدود العراقية الى دير الزور (التي لا تشملها المنطقة التي استولوا عليها) اصبحت اهم قطاع في سوريا لا يسيطر عليه الجيش بالكامل». وبعد حصار استمر نحو ثلاثة اسابيع، استولى الجيش الحر على كتيبة المدفعية قرب مدينة الميادين في ريف دير الزور، بعدما شنوا هجوما عليها، ادى الى مقتل ستة جنود نظاميين، بحسب المرصد.

واوضح عبد الرحمن ان مدينة الميادين باتت خالية من اي وجود للقوات النظامية، مشيرا الى ان عناصرها «التي كانت متمركزة في الكتيبة انسحبت في اتجاه مقر عسكري آخر يبعد نحو 80 كيلومتراً» عن المدينة. وقال المسؤول في المجلس العسكري الثوري بالمحافظة ابو ليلة لـ«رويترز» إن قاعدة الميادين العسكرية سقطت. وأضاف أن 44 من مقاتلي المعارضة لقوا حتفهم خلال فترة حصار القاعدة. ومضى يقول إن الريف بكامله من الحدود العراقية وعلى امتداد نهر الفرات الى مدينة دير الزور يقع الآن تحت سيطرة مقاتلي الجيش الحر.

وأكد مصدر آخر بالمعارضة على اتصال بالمقاتلين أن القاعدة التي تقع على بعد 42 كيلومترا جنوب شرقي مدينة دير الزور سقطت.

وكان المقاتلون سيطروا الأحد الماضي على «الفوج 46»، وهو قاعدة عسكرية ضخمة في الريف الغربي لمحافظة حلب (شمال)، وذلك بعد حصار استمر نحو شهرين.

صد هجوم

في المقابل، كانت القوات النظامية تمكنت أول من امس من صد هجوم للمقاتلين على كتيبة الدفاع الجوي في الشيخ سليمان في المنطقة نفسها، بحسب المرصد. وباتت هذه الكتيبة العائق الوحيد امام «تحرير» الثوار مناطق واسعة في شمال سوريا، تمتد من الحدود التركية وصولا الى حلب كبرى مدن الشمال.

ويرى محللون ان النظام السوري قلص طموحاته في السيطرة الميدانية في مواجهة حركة عسكرية معارضة تسجل نقاطا متزايدة على الأرض، وانه يسعى الى تركيز قوته العسكرية في دمشق ووسط سوريا والمنطقة العلوية في الشمال الغربي.

ويؤكد المحللون ان هدف النظام تعزيز مواقعه الحالية للإبقاء على ورقة في يده عندما يحين وقت التفاوض.

وسقطت قذائف هاون على اوتوستراد المزة استهدفت مبنى تابعاً لمديرة النقل، وقذيفة على مبنى سكني، مما ادى الى احتراقه، بحسب المرصد الذي لم يحدد مصدر القذائف. واشار المرصد الى ان القوات النظامية قامت بحملة تفتيش في حي المزة، ونفذت حملة اعتقالات في حي كفرسوسة المجاور. وفي ريف دمشق نفذت طائرات حربية تابعة للقوات النظامية عدة غارات على مدن وبلدات الغوطة الشرقية. وفي ريف العاصمة، تعرضت بلدات الزبداني وداريا والقاسمية والزمانية وجسرين والسبينة للقصف من قبل القوات النظامية، بحسب المرصد الذي افاد عن تعرض بلدات في الغوطة الشرقية للقصف بالطائرات الحربية. ويشهد ريف العاصمة عملية عسكرية مستمرة في الفترة الأخيرة.

أكراد وجبهة النصرة

من جهة اخرى، دارت اشتباكات بين مئات من المقاتلين المعارضين والأكراد في مدينة رأس العين (سري كانيه) في شمال شرق سوريا، القريبة من الحدود التركية، بحسب ما أفاد المرصد.

وافاد المرصد عن اشتباكات تدور بين «مقاتلين من وحدات حماية الشعب الكردي التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ومقاتلين من جبهة النصرة وكتائب غرباء الشام في حيي المحطة والحوارنة» في شمال غرب مدينة رأس العين في محافظة الحسكة.

وكان المرصد افاد في وقت سابق عن حشد متبادل من وحدات حماية الشعب «التي تسيطر على القسم الشرقي والشمالي من المدينة»، ومقاتلين «من جبهة النصرة وكتائب غرباء الشام (الإسلاميتين) وكتائب اخرى» تسيطر على المعبر الحدودي غرب المدينة وعلى جنوبها.

ونقل المرصد عن ناشطين قولهم ان «جبهة النصرة» استقدمت نحو مئتي مقاتل من مدينة تل ابيض الحدودية، الواقعة الى الغرب من رأس العين، والتي يسيطر عليها المقاتلون، في حين استقدمت «غرباء الشام» اكثر من مئة مقاتل وثلاث دبابات كانت استولت عليها خلال اشتباكات في محافظة الرقة، نشرت احداها على المعبر الحدودي، والآخرين في جنوب المدينة. في المقابل، افاد المرصد عن وصول نحو 400 مقاتل كردي «من المناطق الكردية في سوريا» الى المدينة.

واظهر شريط مصور بثه ناشطون على شبكة الإنترنت ما يقارب 50 مقاتلا معارضا بعضهم يعتلي دبابة رفع عليها علم الثورة السورية، بينما يتلو احدهم بيانا باسم «تجمع كتائب غرباء الشام»، يدعو فيه الجيش الحر للتوجه الى المنطقة «لتحرير مدينة الحسكة». واضاف: «قمنا بإحضار تعزيزات لكتائبنا من ضمنها الدبابات والمدافع وراجمات الصواريخ، كذلك ندعو الأخوة المواطنين وخاصة العشائر للالتحاق بكتائبنا لإعداد العدة الكافية لمعركة التحرير (..) من عصابات الأسد وكافة اعوانهم». ودعا «اخواننا الأكراد الذين يقفون مع الثورة وساهموا فيها» الى «الوقوف صفا واحدا ضد هذا النظام المجرم واعوانه».

«الحر أو لا أحد» في الفوج 46 الاستراتيجي بريف أدلب

أضحت عبارة «بشار الأسد، أو لا أحد» المكتوبة بالطلاء الأسود عند مدخل الفوج 46 مبعثا للسخرية لدى مقاتلي الجيش الحر، لأنهم اصبحوا هم اسياد هذه القاعدة، التي تعد من اواخر مراكز قوة القوات النظامية شمال غربي سوريا.

وبعد شهرين من الحصار و24 ساعة من القتال، تمكن المقاتلون من الاستيلاء في بداية هذا الأسبوع على هذا الموقع الاستراتيجي، الواقع على الطريق الى حلب، كبرى مدن شمال سوريا.

وبقيت جثث عناصر القوات النظامية المدماة مرمية بعد ثلاثة ايام الى جانب المباني الموزعة على مساحة هذه القاعدة المترامية الأطراف، والممتدة على مسافة 30 هكتارا من السهل الكئيب المليىء بالحصى. وينشغل أسياد القاعدة العسكرية الجدد في البناء المدمر للأركان، الذي كان مقر القيادة العامة للقاعدة، والذي غطى السواد اجزاء كبيرة منه بفعل ألسنة اللهب. كما انبعثت رائحة الجثث في الممرات التي لجأ اليها آخر المدافعين عن الثكنة وتناثرت على جدرانها بقع جافة من الدم.

وتلقى جثث العناصر بعد ان يتم سحبهم من كواحلهم، في الجزء الخلفي من شاحنة، حيث تغطى بأغطية متسخة. ويصرخ احد المقاتلين الذي يرتدي قفازات طبية ولف وشاحا حول انفه «هذا نقيب»، مشيرا الى جثة عنصر من القوات النظامية كسى غبار الجص الأبيض جسده، في ما يعتقد انه ناجم عن الانفجار الذي اودى بحياته. وتقوم جرافة بدفن الجثث وسط سرب من الذباب في قبر جماعي على بعد عشرات الأمتار من القاعدة، التي قضى في الهجوم عليها نحو 300 عنصر من القوات النظامية، بحسب ما افاد المقاتلون.

ويعتبر مقاتلو الجيش الحر انهم حققوا «نصرا كبيرا للثورة» بسيطرتهم على الفوج 46، بحسب العميد المنشق محمد احمد الفج، الذي قاد الهجوم. واضاف: «انه اكبر انتصاراتنا منذ بداية الثورة». ويمثل سقوط الفوج 46 التحرير شبه الكامل لجزء كبير من ريف ادلب. واصبحت الطريق السريعة من الحدود التركية حتى حلب محررة بالكامل.

ولا يزال النظام يحتفظ بقاعدة مهمة في المنطقة، وهي كتيبة الدفاع الجوي في الشيخ سليمان، التي تبعد نحو 25 كيلومتراً الى الشمال الغربي من حلب، والتي نجحت القوات النظامية في صد هجوم للمقاتلين للسيطرة عليها.

وتم نقل نحو 12 دبابة (ت 72) روسية الصنع ومدافع هاون وقاذفات صواريخ ومدافع ثقيلة على بعد نحو 30 كيلومترا من القاعدة نحو مركز باب الهوى الحدودي مع تركيا، حيث تتمركز كتائب عدة للجيش السوري الحر.