يسعى الإسلاميون في مصر لإبرام هدنة في قطاع غزة بقصد إظهار مدى نفوذهم الإقليمي وطمأنة الولايات المتحدة، أكبر مانح للمساعدات، لكن الخطاب شديد اللهجة الذي يوجهونه لإسرائيل بقصد استرضاء قاعدة مؤيديهم الغاضبة يرجح ألا يترجم إلى عمل جاد. ويمثل صياغة رد على الهجمات الإسرائيلية على غزة معضلة للإخوان المسلمين الذين دفعوا بالرئيس محمد مرسي إلى المنصب وظلوا لأعوام ينتقدون الرئيس السابق حسني مبارك لتقربه من إسرائيل.
ويواجه الإسلاميون الآن ضرورة أن يبقوا على معارضتهم لإسرائيل، لكن مع موازنة ذلك مع واقع إدارة دولة من خلال تجنب تصعيد التوتر على الحدود أو إغضاب الولايات المتحدة التي تقدم مساعدات سنوية كبيرة للجيش المصري.
وأمام مصر خيارات محدودة يمكن أن تضاف إلى الإجراءات الرمزية بدرجة كبيرة مثل سحب السفير من تل أبيب أو حشد التأييد في جامعة الدول العربية التي تتخذ من القاهرة مقرا لها والتي يمكن من خلالها إعادة بناء سمعة مصر كمركز نفوذ دبلوماسي إقليمي وهي شهرة خبت في عهد مبارك.
خطوة رمزية
وقال محلل شؤون مصر بجامعة دورهام البريطانية خليل العناني: «سحب السفير خطوة رمزية تقليدية اتخذها مرسي لمنع حدوث رد فعل شديد من جانب الإسلاميين في الداخل.». وأضاف: «الهدنة التي يحاول تحقيقها تبين أن الإخوان المسلمين عمليون وقادرون على تنحية فكرهم جانبا لمصلحة الحفاظ على سياسة خارجية راسخة».
وحتى بعض الأصوات الأكثر مجاهرة بين المتعاطفين مع الجماعة، حضت مؤيديها على توخي الحذر حتى إن كانوا تحدثوا بلهجة تصادمية بشأن المدى البعيد، حيث طالب الداعية صفوت حجازي الذي دعم حملة انتخاب مرسي بالتحلي بالصبر، مشيرا على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» إن «الجيش المصري لا يمكنه التدخل الآن لأنه لا يمكن للمصريين أن يذهبوا إلى القدس للقتال».
تقويض العلاقات
في غضون ذلك، أوضح مسؤول كبير في جماعة الإخوان تربطه صلات قوية برئاسة الدولة، طالبا ألا ينشر اسمه، أن «القيادة الحالية وجماعة الإخوان لا تريدان تقويض العلاقات مع أميركا». وأضاف: «ستظل غزة قضية أمن قومي تنهض بمسؤوليتها الاستخبارات العامة، والرئاسة تتبع هذا الترتيب الآن».
ولا يزال الجيش الذي يتلقى مساعدات سنوية قدرها 1.3 مليار دولار من الولايات المتحدة أبرز الجهات المسؤولة عن ملفات الأمن القومي مثل العلاقات مع إسرائيل على الرغم من أن مرسي أقدم على تحجيم نفوذه في أغسطس بإحالة أكبر قائدين له إلى التقاعد.
محاولات مرسي
وقال مسؤولون أميركيون في واشنطن إن مرسي أمضى شهورا محاولا تحديد موعد لمقابلة الرئيس الأميركي باراك أوباما لتأكيد مؤهلاته كإسلامي معتدل لكن دون جدوى.
وبعد محادثته الهاتفية مع أوباما، أصدر مرسي قراره بإيفاد رئيس وزرائه إلى غزة، وهي خطوة قال مسؤولون أميركيون ربما تكون نبعت من ضغط أوباما لفعل أي شيء ممكن لنزع فتيل الموقف.
وكشف مسؤولون مصريون علموا بما دار في المحادثة إن الرئيسين لا يتفقان حول المسؤول عن الموقف في غزة لكنهما يتفقان على ضرورة وقف التصعيد.
ويقول مسؤولون إسرائيليون في أحاديث خاصة إن الاتصالات الأمنية بين القاهرة وتل أبيب استمرت منذ الإطاحة بمبارك، وأيضا بعد رئاسة مرسي على الرغم من أن العلاقات التي كانت فاترة مع القاهرة صارت أكثر فتورا.
دبلوماسية الحوار
واجتمع وفد من مسؤولي الاستخبارات المصرية، رافق قنديل، مع ممثلين لحركة حماس في غزة، حيث قال الناطق الرئاسي ياسر علي إن دبلوماسية التوصل إلى هدنة هي أحد المسارات التي تسلكها مصر. ومع ذلك، يمكن للقاهرة أن تمارس المزيد من الضغط على إسرائيل من خلال تخفيف القيود على السفر من غزة وإليها، وهي قيود أبدت حكومة مرسي القليل من الرغبة في رفعها، حيث دمرت انفاقا سرية مقامة تحت خط الحدود.
متابعون: غضب الإخوان لشهداء غزة أقوى منه لشهداء رفح
رصد متابعون مصريون من خلال تعليقاتهم على شبكة الإنترنت ظاهرة خاصة بإخوان مصر، الذين قرروا التظاهر وتنظيم وقفات احتجاجية في أماكن متفرقة بالقاهرة وعدد من محافظات مصر للاعتراض على سقوط شهداء في غزة عشية القصف الإسرائيلي، فيما كان رد فعلهم أقل كثيراً عند سقوط شهداء مصريين من الجنود في رمضان الماضي برفح المصرية.
ونظّم شباب الإخوان المسلمين في مصر تظاهرات ووقفات احتجاجية على مدار الأيام الماضية للتنديد بالعدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، ورفض ذلك العدوان الذي راح ضحيته شهداء كثر من بينهم أطفال ونساء في غزة، رفعوا خلالها شعارات حماسية قوية، متوعدين حكومة الاحتلال الإسرائيلية، ومحاولين التأكيد على رفض الممارسات الإسرائيلية الغاشمة.
وفي المقابل، فإن رد فعل إخوان مصر وشبابها عقب سقوط شهداء مصريين من جنود مصر على الحدود، في رفح المصرية، كانت أقل حدة، حيث لم تشهد تلك الفترة أي تظاهرات رغم رباط الدم والإخوة في الوطن الذي يجمعهم، ورغم كونهم جنوداً ساهرين على خدمة الوطن، خاصة انهم اغتيلوا في وقت شديد الحساسية في أثناء تناولهم للإفطار في شهر رمضان الماضي، وهي المفارقة التي تم الكشف عنها بالمقارنة برد فعلهم الأخير.
ويأتي ذلك، في وقت كان رد فعل مؤسسة الرئاسة، بقيادة الرئيس محمد مُرسي، والمحسوب على الإخوان المسلمين أنفسهم، متوازناً وقوياً في الحالتين. ففي الأولى، أحداث رفح، اتخذ قرارات بسلسلة من الإقالات بالمؤسسة العسكرية، بدأها بإقالة قائد الشرطة العسكرية، وانتهى حتى الإطاحة بالحكم العسكري وازدواجية الحكم في مصر. أما في الواقعة الثانية، العدوان على غزة، فاتخذ قرارات قوية، بدأها باستدعاء السفير المصري للمرة الثالثة، فضلاً عن دعوة مندوب القاهرة لدى الأمم المتحدة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن، إضافة إلى دعوة الجامعة العربية لاجتماع طارئ لبحث تطورات الأوضاع.
