خلط دخول الجيش الحر إلى مدينة رأس العين (سري كانيه) المحاذية للحدود التركية الأوراق لدى القوى السياسية الكردية في سوريا. فالكرد السوريون الذين تشكل نسبتهم قرابة 15 في المئة من إجمالي عدد سكان البلاد، وينتشرون بكثافة على الشريط الحدودي مع تركيا، أعلنت كافة تياراتهم السياسية أنهم مكون أساسي من الثورة السورية، مع الحرص الشديد أن لا تتحول مدنهم إلى ساحة القتال بين القوات النظامية والجيش الحر. غير أن المعادلة تبدلت مع دخول بعض كتائب الجيش الحر المفاجئ إلى رأس العين واستهدافهم المقرات الأمنية التابعة للنظام منذ أيام معدودة، حيث قدم لهذا الأخير ذريعة القصف بالمدافع والصواريخ على المدينة المختلطة التي يغلب على سكانها المكون الكردي. وفور دخول الجيش الحر إلى المدينة تحركت قوات النظام المتمركزة في المناطق المجاورة لضرب المدينة بالصواريخ ومدافع الهاون والطائرات، ما أسفر عن حركة نزوح كبيرة صوب القرى والبلدات المجاورة، وهرع قسم منها إلى تركيا بعد أن رفعت القوات التركية الأسلاك الشائكة التي كانت تحد من حركة القاطنين.
هجرة الثوار
ويقول سيروان الذي تهدم منزله في القصف الجوي: «التسلل إلى سري كانيه لن يسقط النظام، بل سبب هجرة للقوى الثورية سواء من العرب والكرد، وتحولت إلى مدينة أشباح لا يقيم فيها أحد باستثناء مقاتلي الجيش الحر». وفسر المراقبون دخول الجيش الحر إلى هذه المنطقة التي تحمل في طياتها حساسية مفرطة، بأن تركيا وبعض أطياف المعارضة العسكرية تتحرك لتهيئة مناخ ملائم لإقامة المناطق العازلة على طول الحدود الشمالية الشرقية من البلاد، ولن يتم ذلك إلا بربط المناطق الكردية المتناثرة بتلك التي تحررت من فلول قوات النظام على طول الحدود، وتسيطر عليها كتائب الجيش الحر.
انتقادات للموقف
لكن هذه القراءة بحد ذاتها تتلقى انتقادات داخل صفوف التيارات السياسية الكردية وعلى رأسها حزب الاتحاد الديمقراطي، فيقول عضو اللجنة التنفيذية للحزب شاهوز حسن: «المجتمع الدولي لا يزال منقسماً حيال الملف السوري، وموضوع إقامة المناطق العازلة غير مندرجة في أجنداتهم، حتى تلك الدول التي تدعي صداقتها للثورة السورية لا تزال تماطل في تقديم الدعم العسكري للجيش الحر، بل فرضوا عليهم محاربة القوات الجهادية المتوغلة في صفوفهم كشرط في تقديم السلاح».
ويتساءل: «كيف سيساعدون على إنشاء مناطق عازلة وهم يهربون من تقديم المساعدات الإنسانية، والسلاح النوعي على نحو ما يطالبه الائتلاف الجديد للمعارضة السورية».
ويضيف: «تركيا تلوح لبعض الكتائب العسكرية القريبة لها على أن مشروع المنطقة العازلة سيرى النور فيما لو أحكموا قبضتهم على المدن الكردية، وفتحوا جبهة مع الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي». لافتاً إلى أن علاقة الحزب الكردي المسلح جيدة مع الجيش الحر، «إلا أن بعض الكتائب التي تدعي انضواءها تحت لواء الجيش الحر، تسعى إلى دخول المدن الكردية المتحررة أصلاً عبر الأراضي التركية، بهدف تنفيذ الأجندات التركية».
بيد أنه ليست كل المدن الكردية تتوفر فيها شروط مناسبة لاحتضان كتائب الجيش الحر كما سري كانيه، ففي كل من كوباني وعفرين وديرك وعامودا ودرباسية وهي مدن ذات غالبية كردية ساحقة، حيث المزاج العام السائد بين السكان لا يتوافق مع توجهات الجيش الحر الرامي إلى تحويل تلك المدن إلى بؤر لشن الهجمات على قوات النظام، تحسباً من ردة فعل النظام الكارثية على السكان وليس معاداة للجيش الحر. كما تنشط في تلك المناطق وحدات الحماية الشعبية الجناح العسكري الموالي للاتحاد الديمقراطي، والتي أعلنت مراراً أنها ستدافع عن المدن الكردية في وجه أي قوة كانت سواء من جهة النظام أو الجيش الحر. ولهذه الأسباب، يرى المراقبون أنه لو جازف الجيش الحر بالدخول إلى تلك المدن والاصطدام مع وحدات الحماية الشعبية، ربما تشتعل مواجهات عسكرية كردية-عرببة شاملة، يمتد فتيلها من مدينة عفرين غرباً حتى مشارف مدينة ديرك على الحدود العراقية التركية شرقاً.