يدخل الأب مسرعاً إلى قسم الإسعافات الأولية في إحدى المستشفيات الحكومية ذائعة الصيت في العاصمة السورية دمشق، حاملاً ابنه المصاب، ويتوسل الأطباء والممرضين: «مشان الله، يساعدنا حدا»، يهرع نحوه طاقم من الممرضين، يضعون الطفل عبد العزيز البالغ خمس سنوات على السرير، ويسرعون به إلى غرفة الإسعافات الأولية بينما ينزف رأسه بالدماء. يدخل الطبيب المشرف إلى الغرفة، ويقف بجوار السرير تمهيداً لإلقاء النظرة الأولية عليه، لكنه يتريث قليلاً، ويفضل أن يفهم من الأب تفاصيل ما جرى مع ابنه، كيف وأين حصل ذلك؟.

يرتبك الأب النازح مع عائلته من حي الإنشاءات في حمص إلى جديدة عرطوز في بادئ الأمر للرد على تساؤل الطبيب، خوفاً من تداعيات ما ستخرج به روايته، لكن تدهور حالة ابنه الفاقد الوعي يتفوق على هواجسه، ويجبره في آن معاً على حسم قراره بالقول: «بدأ القصف على منطقة جديدة عرطوز حين كنت برفقة ابني الصغير على مشارف البلدة، اقترب آثار القصف صوبنا، حملت عبد العزيز وهربنا معاً لعلنا نرتمي في نقطة آمنة، وبينما نسعى لتجنب القصف، سقطت قذيفة بقربنا، وقعت أرضاً، وطار ابني من يدي». من شدة الصدمة يتوقف الأب قليلاً عن الكلام، قبل أن يكمل: «نهضت مسرعاً نحوه، وانتشلته من الأرض، وجدته ينزف من رأسه، حيث أصابته شظايا القذيفة مخترقاً جدار دماغه».

يقاطعه الدكتور ومن معه من زملائه ببلادة شديدة: «لا يمكننا قبول هكذا الحالات في المشفى، نحن نخالف التعليمات الأمنية، وعليك البحث عن مكان آخر».

توجه الاب الذي بالكاد تعيش عائلته على المعونات الداخلية، إلى مشاف اخرى وهو يحمل ابنه الجريح بين يديه، ودائماً الإجابة التي يتلقاها: «نرفض استقبال المريض بذريعة انتمائه للأحياء الثائرة في وجه نظام بشار الأسد، والخوف من مطاردة الأجهزة الامنية التي تتوغل في المشافي».

يهدأ القلق الذي كان يساور الأب عندما فتحت إحدى المشافي الخاصة أبوابها سراً. هذه السكينة المؤقتة تحول دون أن يفكر الأب أن تكلفة كل يوم في المشفى تصل إلى 50 ألف ليرة (700 دولار).

يستطرد أبوعبدالعزيز فيما بعد شارحاً حالة ابنه: «أصيب بالشلل في الأطراف، نتيجة اختراق شظايا القذيفة دماغه، وفقد على إثره النطق والبصر، يفتقر المشفى إلى المؤهلات اللازمة لإجراء عملية لسحب السائل الدماغي، ومن هنا فكرت بالسفر إلى الخارج».

قبل أن يخرج ابو عبدالعزيز طفله من غرفة العناية المشددة لليوم الثامن على التوالي، يصعق بالفاتورة الباهظة للمشفى، حيث وصلت قيمتها إلى 400 ألف، تلح إدارة المشفى على دفع المبلغ، يقول أبوعبدالعزيز عن تلك اللحظات : «لم نجد أي مستجيب لا من جمعية إغاثية ولا حتى من أفراد لمساعدتنا ماديا أو التكفل بعلاجه، رغم الجهود الشاقة التي بذلناها في إيجاد شخص يكفلنا».

على إثر المشادات الطويلة، يمهل إدارة المشفى الأب شهرين على تسديد ديونه، وإلا سيتحول ملفه إلى الجهات الأمنية المختصة، وينقل ابوعبدالعزيز ابنه الذي يعيش في غيبوبة إلى المنزل تحضيراً لسفره إلى الخارج، لكنه يدرك أن ملفه مشبوه لدى الجهات الأمنية كونه نازحاً، وعليه، يوكل زوجته نيابة عنه القيام بهذه المهمة.

يستأجرون سيارة الإسعاف الخاصة للذهاب إلى المطار، والتي تصل تكلفتها قرابة خمسة آلاف، وأثناء خروجهم من المشارف الجنوبية الغربية للعاصمة دمشق، يجبرهم حاجز الأمن الجوي على الوقوف، ويسأل الضابط المشرف عن سبب المغادرة، وتواجدهم في سيارة الإسعاف.

وحين سماع الضابط هدف المغادرة، يجيب بلهجة محكية كما نقلت أم عبدالعزيز: «أنتم حيوانات، ليش ما في مشافي سوريا، هلا صارت ما بتسوى للعلاج». ثم يقوم بتمزيق جواز السفر، ويمنع خروج سيارة الإسعاف صوب المطار. تعود أم عبدالعزيز بطفلها إلى المشفى الخاص، بعد أن نال منها خيبة الأمل، وأوصدت في وجهها كل أبواب، ويرقد الطفل عبد العزيز معلقاً مصيره بين الحياة والموت.