اتهمت روسيا الولايات المتحدة الأميركية بالوقوف وراء إلغاء صفقة الأسلحة التي وقعتها مع العراق، حيث اكدت موسكو انها ستطالب بغداد بتقديم إيضاحات بشأن انتشار إشاعات متعلقة بوجود فساد في صفقة سلاح بين البلدين التي تقدر قيمتها بـ 4.2 مليارات دولار.. في وقت طالبت النزاهة البرلمانية العراقية وزارتي الدفاع والداخلية بأسماء الوفد المشارك في عقد الصفقة .

وقال مصدر مسؤول في المجمع الصناعي العسكري الروسي في تصريح نقلته وكالة «نوفوستي» الروسية للأنباء إن «إلغاء العراق (إن تم بالفعل) صفقة الأسلحة المعقودة مع روسيا هو نتيجة لضغط الولايات المتحدة على السلطات العراقية».

وأضاف المسؤول : « تقف السلطات الأميركية وراء رفض العراق تنفيذ العقود لاستيراد الأسلحة الروسية ، بحيث ان واشنطن تسعى الى عدم السماح بتطبيق الاتفاقيات الروسية العراقية في مجال التسليح».

الضغط الأميركي

من جهته، أعرب مدير المركز الروسي لتحليل التجارة العالمية للأسلحة ايغور كوروتشينكو عن اعتقاده بأن السبب الرئيسي لقرار بغداد بإعادة النظر في الصفقة مع روسيا، هو الضغط الأميركي، نظراً لأن السوق العراقية للسلاح تتسم بأهمية بالغة لدى واشنطن من ناحية تفعيل مصالح الشركات الأميركية.

غموض حول الصفقة

من جهتها، نقلت صحيفة «كوميرسانت» الروسية أمس عن مصدر في الحكومة الروسية قوله إن موسكو ستطالب بغداد بتقديم إيضاحات بشأن انتشار إشاعات متعلقة بإلغاء صفقة سلاح بين البلدين التي تقدر قيمتها بـ 4.2 مليارات دولار.

وقال المصدر للصحيفة: «إننا نجري مفاوضات مع الجانب العراقي ونستوضح مواقفه، وبالدرجة الأولى، فيما يتعلق بالتصريحات الغامضة التي سمعت في الأيام الأخيرة. واننا لم نتسلم أية معلومات عن تغيير خطط بغداد أو شعورها بالقلق».

وأعلنت روسيا، مطلع الشهر الماضي، أنها وقعت صفقات لبيع أسلحة بقيمة 4.2 مليارات دولار مع العراق لتصبح أكبر مورد سلاح له بعد الولايات المتحدة، فيما ذكرت صحيفة «فيدوموستي» الروسية أن صفقة الأسلحة البالغة قيمتها 4.2 مليارات دولار ويجري التفاوض حولها تشمل طائرات ميغ 29 و30 مروحيـة هجومية من طراز «مي28، و42 بانتسير اس1 وهي أنظمة صواريخ ارض جو.

وكان العراق وروسيا وقعا اتفاقا للتعاون العسكري التقني خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي موسكو في شهر أكتوبر الماضي. وكان مستشار رئيس الوزراء العراقي علي الموسوي صرّح لقناة «روسيا اليوم» أول من أمس بأنّ صفقة السلاح بين العراق وروسيا التي تقدر قيمتها بـ 4.2 مليارات دولار لم يتم إلغاؤها، لكن الجانبين يراجعانها. وأشار الموسوي الى أن الجانب الروسي على علم بالموضوع، مشيرا إلى أن نتيجة المراجعات بين الطرفين ستحدد مصير الصفقة.

الى ذلك، اكد عضو لجنة النزاهة النيابية جعفر الموسوي أنّ «اللجنة أرسلت كتابين لمكتب وزير الدفاع ووزارة الداخلية دائرة أوروبا طلبت فيهما تزويدها بأسماء الوفد الذي زار روسيا مؤخرا».

وقال الموسوي:« خاطبنا المسؤولين في الوزارتين لأجل اجراء التحقيقات فيما يتعلق بصفقة السلاح التي ابرمها الوفد مع روسيا والتي أثيرت بشأنها شبهات فساد».

وأضاف الموسوي أن لجنة النزاهة النيابية «بانتظار رد الجهات التي خاطبتها بكتب رسمية ،كاشفا عن إجراءات اخرى ستتخذها اللجنة للغرض ذاته ولأجل التأكد من الموضوع، من دون ان يوضح طبيعة هذه الإجراءات، متوقعا ان «يتم استدعاء اي شخص شارك في الوفد للتحقيق معه». وتابع أنّ «لجنة النزاهة ستعمل على كشف أسماء المتورطين أمام الرأي العام إذا ما ثبتت الشبهات التي أثيرت ضدهم بعد استكمال التحقيقات، مؤكدا ان المتورطين ستتم إحالتهم الى هيئة النزاهة والقضاء».

«روسيا ــ غيت».. خذلان بعد الحديث عن الانتصار

الحديث عن شبهة فساد في صفقة الأسلحة الروسية، تحول إلى واقع، أكدته روسيا نفسها، من خلال قرار الرئيس فلاديمير بوتين عزل وزير دفاعه اناتولي سرديوكوف، فيما اتخذ رئيس الوزراء العراقي قرار إلغاء صفقة الأسلحة التي تقدر قيمتها بأكثر من أربعة مليارات دولار.. هكذا، وبـ «جرّة قلم»، تلغى صفقة تم الترويج لها كثيرا باعتبارها من أهم المنجزات الحكومية .

ويشير المراقبون إلى انه «لولا كلام الرئيس بوتين وفضحه وجود فساد في صفقة التسلح المبرمة بين حكومته والحكومة العراقية لمرّت عملية الفساد بهدوء تام، مثل آلاف الصفقات الفاسدة بمبالغ مالية هائلة... لكن بوتين كشفها واتخذ الإجراءات العاجلة الحازمة فطرد وزير الدفاع وعدداً من كبار المسؤولين المتورطين فيها، مع إنها تعود على دولته بربح وفير، وتعيد مكانتها كمصدر مهم للسلاح في المنطقة».

الإعلام الروسي تحدث عن الصفقة وعن زيارات قام بها مسؤولون عراقيون إلى موسكو للتمهيد لها، وأنّهم حصلوا على «عمولاتهم» باتفاقات مشبوهة مع مسؤولين روس، وكان الموعد المقرر لإتمامها زيارة نوري المالكي ليوقع عليها وينتهي الأمر.

وترى المصادر العراقية أنه «بعد إعلان بوتين عن الفضيحة ارتبك المشهد داخل الأروقة العراقية في مستوياته العليا، فقد أعلن رئيس الوزراء عن إلغاء الصفقة بسبب وجود فساد فيها، أعقبه مستشاره الإعلامي علي الموسوي الذي صرح بان الصفقة ألغيت بسبب شبهة فساد، وان لجنة تحقيقية تم تشكيلها في هذا الموضوع. أما وزير الدفاع سعدون الدليمي عقد مؤتمراً صحافياً نفى فيه توقيع الصفقة من الأساس وأكد أن العراق يواصل مفاوضته لعقدها».. لكن الحكومة الروسية أصدرت بياناً قالت فيه إن الصفقة تم توقيعها، وتحدث خبراء روس انه ليس من حق الحكومة العراقية إلغاءها من جانب واحد فقط، مستندين إلى أن القوانين تمنع ذلك.

ومع تأكيد الحكومة العراقية وجود لغط في صفقة السلاح الروسي التي تحوم حولها شبهات فساد قوية، فإن التحقيق الذي تعتزم بغداد القيام به «قد يطيح برؤوس كبيرة، يشتبه بأنها متورطة بدفع رشى والحصول على عمولات بعشرات الملايين من الدولارات، في صفقة مكافأة ، لضمان تأييد موسكو الدائم لبشار الأسد، الذي يواجه ثورة شعبية تهدف إلى إطاحته».

ورأت المصادر أن إقدام الرئيس بوتين على إقالة وزير الدفاع الروسي أناتولي سيرديوكوف لا يتعلق فقط بقضية احتيال بعدة ملايين من اليورو، تورطت فيها شركة تابعة لوزارة الدفاع، وانما أيضا مرتبط بصفقة الأسلحة العراقية. وفي السياق ذاته، أكدت مصادر سياسية مطلعة أن المالكي شكل لجنة خاصة رفيعة المستوى تتولى التحقيق مع الوفد الذي اتفق مع المسؤولين الروس على إبرام صفقة الأسلحة، وستقوم خلال الأسبوع الحالي بإجراء التحقيقات مع أعضاء الوفد العراقي وتقديم تقرير شامل ومتكامل ومفصل بشأن ملابسات ما جرى في موسكو وطبيعة المباحثات والاتفاقات التي تمت مع المسؤولين الروس.