تشهد الساحة السياسية خلال الفترة الأخيرة حراكاً كبيراً، طغت عليه الاتهامات المتبادلة بين قطبي المشهد السياسي: حركة النهضة وحركة نداء تونس، ما أدى إلى شبه قطيعة سياسية بينهما، لكن يبدو أن الأخطر هو نوعية الاتهامات المتبادلة بين الطرفين في الآونة الأخيرة.. ففي الوقت الذي صرح فيه زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، في برنامج «أستوديو شمس»، بأن حركة «نداء تونس» التي يترأسها الوزير الأول السابق الباجي قايد السبسي أخطر من السلفية، اعتبرت قيادات من حزب الباجي أن «النهضة» تريد تشويه الحزب، وتمهد للبدء في تنفيذ العملية الاستئصالية والإقصائية ضد «نداء تونس»، بقيادة الشق الراديكالي في «النهضة» الذي يتزعمه الغنوشي.
وإذا كان قايد السبسي اعتذر للشعب التونسي عما اعتبره خطأ في التقدير، عندما أحسن الظن في حركة النهضة، وقدمها للغرب على أنها حركة إسلامية ديمقراطية، حيث صرح في باريس بأنها تحاول العودة بالمجتمع التونسي إلى القرن السابع، فإن الحركة الحاكمة تمتلك سلطات الدولة القادرة محاصرة قائد السبسي، وقد تبيّن ذلك من خلال الدعوى القضائية التي رفعها ضده المكلف بنزاعات الدولة، بتهمة تسريب شريط مسجّل لحوار دار بينه وبين رئيس الحكومة الحالية حمادي الجبالي، في مكتب مغلق يوم 26 ديسمبر 2011، تاريخ تسليم السلطة للحكومة الحالية.
ويتواصل هذه الأيام التحقيق في قضية التآمر على أمن الدولة مع رجل الأعمال كمال اللطيّف وعدد من الإعلاميين ورجال الأمن المشتبه في تورطهم معه، واعتبر المراقبون أن في طرح هذه القضية حالياً، رغم أن الأحداث التي تنبني عليها جرت في بدايات العام 2011، محاولة لجر قائد السبسي إلى معركة تستهدفه شخصياً، كما تستهدف عدداً من المقرّبين منه، ومن يمكن أن يتحالف معهم خلال المواجهة الانتخابية المنتظرة.
وعجزت مجالس حماية الثورة القريبة من حركة النهضة عن جمع أكثر من 20 شخصاً، رفعوا شعارات مناوئة لحركة «نداء تونس» أثناء عقدها اجتماعاً شعبياً كبيراً في أحد الأحياء الراقية بإقليم تونس العاصمة، وأجمع المراقبون على أن حركة السبسي أكدت من خلال هذا الاجتماع أنها المنافس الجدي والأبرز لحركة النهضة، من خلال قدرتها على التنظيم والتعبئة الشعبية واستقطاب النخب الفكرية والثقافية التي عجزت حركة النهضة عن باستقطابها.
اتهامات للنهضة
واتهم الأمين العام لحركة نداء تونس الطيب البكوش، حركة النهضة ومن ورائها التحالف الثلاثي الحاكم، بالعمل «على تغيير النموذج المجتمعي والوجه السياسي والثقافي لتونس، ما ينذر باندلاع ثورة جديدة قد تشهدها البلاد في الفترة المقبلة، وخاصة في ظل ارتفاع وتيرة الاحتجاجات الشعبية» على حد تعبيره، وقال البكوش: إن النهضة تقوم بتغيير وجه تونس الحضاري تحت شعار الدفاع عن الثورة، في حين أنها ترتدّ بذلك عما أراده الشباب التونسي الذي قاد الثورة ضد الديكتاتورية والاستبداد، وليس من أجل اقتلاع جذور الحداثة والمدنية من المجتمع التونسي، وتابع أن «هناك شباباً تونسياًَ مخدوعاً اليوم.. وهناك طبقة وسطى مهددة في وجودها في ظل ارتفاع الأسعار وتردي الوضع الاقتصادي».
وأضاف البكوش أن حركة النهضة الإسلامية الحاكمة خدعت التونسيين بخوضها حملة انتخابية ارتكزت على الحرص على التوافق واحترام المنجزات، وخاصة منها ما يتعلّق بحرية المرأة وعدم السعي إلى تكريس نظام ديني، وهو ما تقوم حالياً بعكسه تماماً، وأشار إلى أن التحالف الثلاثي الحاكم يحاول الاستفادة بأكبر مدّة ممكنة لتغيير وجه وصورة البلاد، وهو يتعمد إضاعة الوقت من خلال التأخير الواضح في صياغة الدستور والقانون الانتخابي وإحداث الهيئة المستقلة للانتخابات والهيئة العليا للقضاء والهيئة المستقلة للإعلام.
مواجهة الانحراف
ودعا الأمين العام لحركة نداء تونس، خلال لقاء إعلامي عقده في العاصمة الفرنسية باريس، المجتمع المدني، إلى أن يتجنّد ويوحّد جهوده لمواجهة الانحراف الخطير بالمسار الانتقالي في تونس، على حد تعبيره، مبيّناً وجود توافق بين حزبه والحزب الجمهوري وحزب المسار الاجتماعي، وبعض الأحزاب الأخرى التي تستشعر ضرورة الالتقاء حول مشروع وطني لإنقاذ البلاد.
