كشف رئيس الحكومة التونسية حمادي الجبالي وجود مخطط من قبل السلفيين لتأسيس إمارة إسلامية في تونس على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان، وبقيام جماعات سلفية متشددة بدوريات أمنية في بعض الأحياء الشعبية، بما يوحي برغبتها في الحلول محل الدولة، مما ينذر بمواجهة منتظرة بين القوات الحكومية والجماعات المتشددة قد تكلف التونسيين تضحيات مهمة، على حد تعبيره. وأفاد الجبالي في تصريح صحافي أن دعاة العنف من السلفيين يمثلون خطرا على تونس. حيث يسعون إلى إلغاء الدولة وتكوين إمارة إسلامية في تونس، مشيرا إلى أن المال السياسي يلعب دوره في التحريض على العنف والجريمة دون أن يسمي الأطراف الممولة. لكنه شدد على أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي بل ستكرس الأمن في البلاد والحفاظ على النظام الجمهوري، لكنه ترقب منتظر بين القوات الحكومية والجماعات المتشددة قد تكلف التونسيين تضحيات مهمة، على حد تعبيره.

استغلال الوضع

ويجمع جلّ المراقبين في تونس على أن التيار السلفي الجهادي استفاد من سقوط نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بتجميع صفوفه، بعد إطلاق سراح المساجين وعودة المهجّرين وتجنيد الآلاف من الأنصار الجدد، والسيطرة على عدد كبير من المساجد، وتكوين مدارس خاصة، وتكريس اقتصاد «جهادي» ذي طابع تجاري، وتحقيق التواصل مع أطراف خارجية وداخلية تساهم في تمويل الجماعات المتشددة من خلال أموال الزكاة والربا.

وبات بإمكان السلفيين الجهاديين التونسيين مخاطبة الشارع عبر أجهزة الإعلام ومواقع الانترنت ونشر أفكارهم التكفيرية المتشددة التي وصلت الى حد تكفير الرؤساء الثلاثة وعدد من الوزراء والمجلس الوطني التأسيسي، وشهد معرض تونس للكتاب خلال دورته الجديدة التي انطلقت يوم 2 نوفمبر الجاري مناسبة لترويج كتب مرجعية في الفكر التكفيري والتشدد الديني، في الوقت الذي تفخر فيه وزارة الثقافة بأنها لم تمنع أي عنوان مهما كان محتواه ولم تعتمد على الرقيب في مراجعة المنشورات المعروضة على زوار المعرض.

معسكرات تدريبية

وكانت مصادر إعلامية غربية تحدثت عن وجود معسكرات في داخل البلاد لتدريب الجماعات الجهادية، وعن أسلحة مهرّبة من التراب الليبي، مما يزيد من قلق الشارع التونسي على المستقبل، خصوصا مع بروز مؤشرات على اتجاه الجناح المتشدد في حركة النهضة نحو تبنّي مطالب التيار السلفي وخاصة تلك المتعلقة بتغيير النموذج المجتمعي، والانقلاب على خصوصيات الدولة الحديثة.

وتبقى العلاقات مع دول الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية محور الخلاف الأساسي بين حركة النهضة الإسلامية الحاكمة والجماعات السلفية الجهادية، وفي الوقت الذي تطمح فيه النهضة الى تطبيق الشريعة مرحليا ، وأسلمة الدولة والمجتمع والإعلام والثقافة والتربية والتعليم من خلال مشروع طويل المدى مرتبط بأجندة إقليمية تستهدف السيطرة الإخوانية على البلاد العربية، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة ذاتها بعد إقناعها بأهمية المراهنة على الإسلام السياسي المعتدل، تدعو الجماعات السلفية الجهادية الى قطع العلاقات مع واشنطن وإعلان المواجهة معها ومع الغرب عموما في إطار تنفيذ فكر تنظيم القاعدة الذي بات مسموحا له بالانتشار بين التونسيين.

علاقات مميزة

ولا تخفي حركة النهضة علاقاتها المتميزة مع الجانب الأميركي مع جماعات الضغط واللوبيات ومنها منظمة «الايباك» التي سلمت جائزتها للعام 2011 الى رئيس الحركة راشد الغنوشي، في الوقت الذي قدمّت واشنطن الى الحكومة التونسية لائحة بأسماء قياديين من التيار السلفي الجهادي، ودعتها الى اعتقالهم، وخلال شهرين ألقت أجهزة الامن القبض على نحو 800 عنصر من الجماعات الدينية المتشددة.

وتتابع الولايات المتحدة تحركات السلفيين الجهاديين في تونس من خلال برنامج متكامل للتعاون الأمني والمخابراتي مع الحكومة التونسية الجديدة التي لا تنفي استعدادها التام لتنفيذ أوامر واشنطن، ومن المنتظر أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة مزيدا من التعاون وخاصة في مكافحة الإرهاب ومواجهة الخطر السلفي الجهادي الذي اعترف حمادي الجبالي بأنه قد يصل الى تكوين إمارة إسلامية، واستعداداً لذلك الموعد المرتقب تعمل حركة النهضة على فرز السلفيين الذين تلتقي معهم جزئيا في المشروع الديني الحضاري والثقافي من السلفيين الذين تختلف معهم تماما في المشروع السياسي والنظرة الى الغرب وطبيعة العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.