شائعات كثيرة حامت بشأن شخصية مدير المخابرات الأردني الأسبق محمد الذهبي، بعد توقيفه في التاسع من فبراير الماضي بتهم غسيل الأموال والاختلاس واستثمار الوظيفة.. وأتى حكم محكمة جنايات عمّان، أمس، ليثبت التهم ويوجه رسالة لكل الفاسدين بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولى.
«الباشا» الذهبي، تدرج في منصبه، على حساب من هم أقدم وأكفأ منه، ونال الحظوة بسبب شخصيته القادرة على التأقلم مع أي ظرف كان، مهما كان حرجاً ولا يتناسب مع طبيعة الرتبة والمهنة.
ولذلك أصبح الذهبي، رجل الكثير من باشاوات المخابرات خلال فترة خدمته في الجهاز، وحصل على الكثير من المعلومات والأسرار التي جعلته يظن أنه فوق القانون وخارج إطار المحاسبة أو المراجعة.
لاشك في أن الوقائع التي ساقتها النيابة العامة خلال جلسات المحاكمة، كانت مهنية الطابع، ولكنها في جوهرها تكرس مبدأ طالما تغاضت عنه الأجهزة القضائية في السابق، وهو أنه يجوز لـ«الباشا» ما لا يجوز لغيره، نظراً لطبيعة عمله التي تقتضي السرية وعدم التوثيق.
قال الادعاء: إن ثروة الذهبي تضخمت إلى أربعة أمثالها خلال الفترة التي أمضاها في منصبه لتبلغ نحو 40 مليون دولار بنهاية العام 2011. وأضاف أن الذهبي استخدم أموال المخابرات في تصميم منزل فخم وحصل على رشى من مقاولين.
ويقول محللون: إن جهاز المخابرات كان في أوج نفوذه أثناء رئاسة الذهبي له، وكان يتدخل في تعيين شخصيات في مناصب كبيرة ويضايق زعماء المعارضة. وتتهم المعارضة، بشقّيها: الليبرالي والإسلامي، الذهبي، بالإشراف على تزوير انتخابات العام 2007 لصالح شخصيات عشائرية موالية.
وربطت تسريبات حكومية الذهبي بفضيحة تتعلق بصحافيين مدرجين على قائمة الرواتب الخاصة به في أوج حملة ضد رئيس الديوان الملكي السابق باسم عوض الله.
وأرغم عوض الله الذي تحدى المؤسسة المحافظة المعارضة لسياساته الليبرالية على الاستقالة العام 2008.
ولعبت المخابرات تحت قيادة الذهبي دوراً أيضاً في سحب الجنسية من أردنيين من أصل فلسطيني.
ويبدو أن الباشا الذهبي الذي كان يراقب محاكمة سلفه الباشا السابق سميح البطيخي أمام محكمة خاصة، لم يكن يتصور أن تصل الأمور إلى حد تثبيت الإدانة، والحكم عليه بالسجن الفعلي، ولذلك واصل إنكاره حتى اللحظة الأخيرة، لعل وعسى، أن يشفع له هذا الإنكار بحكم مخفف.
ولكن الأردن الذي يسعى لأن يدخل عهد الإصلاحات الحقيقية من أوسع الأبواب، لم يكن يعنيه لا هذا الباشا ولا ذاك، فمصداقية العدالة تقتضي الذهاب في ملف مكافحة الفساد إلى آخر الطريق.
كان «الباشا» يراقب الناس ويحصي عليهم أنفاسهم، وكان يظن أنه فوق الشبهات والمساءلة، ولكن أتى من يراقبه، ويحصي عليه تحركاته المعلنة منها والخفية، وأتى من يحاسبه على كل قرش دخل إليه دون وجه حق.
